لم تقتصر الاحتفالات بفوز المنتخب الإسباني ببطولة كأس العالم لكرة القدم على أرجاء إسبانيا فقط، بل شملت أيضًا مناطق واسعة من العالم العربي، وخاصة فلسطين.

وقد وصفت الأكاديمية دلال عريقات هذا المشهد بدقة عبر حسابها على منصة “إكس” قائلة: “من خيام العائلات النازحة في غزة، مرورا بشوارع القدس العتيقة، وتلال رام الله، وصولا إلى جبل التجربة في أريحا، شجع عدد لا يحصى من الفلسطينيين أبطال إسبانيا.
ففي أرضٍ تُقاس فيها يوميات الحياة بحجم الفقد، تحولت مباراة لكرة القدم إلى ومضة عابرة من الأمل والوحدة والإنسانية المشتركة في مسعى لتحقيق العدالة”.

ويرتبط هذا التأييد العالمي للمنتخب الإسباني ارتباطًا وثيقًا بموقف الحكومة الإسبانية المدافع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية. فعلى مدار السنوات الثلاث الماضية، لم يتردد بيدرو سانشيز في إدانة الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة، مطالبًا مرارًا بفرض عقوبات على حكومة بنيامين نتنياهو بسبب جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية.

وفي عام 2024، وتزامنًا مع الاعتراف بدولة فلسطين، صرح رئيس الحكومة الإسبانية أمام مجلس النواب قائلاً: “لقد حان وقت الانتقال من القول إلى الفعل لنؤكد للفلسطينيين وقوفنا إلى جانبهم وأن الأمل لا يزال قائمًا. ومهما طال القصف لقراهم، فإن أرض فلسطين وهويتها ستبقيان راسختين في قلوبنا وفي أروقة الشرعية الدولية”.

يتعارض موقف ميسي بشكل صارخ مع موقف النجم الراحل دييغو مارادونا الذي قال: “أنا فلسطيني في صميم قلبي”.

وعلى النقيض تمامًا لموقف سانشيز، يقف الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي الذي أعرب عن فخره بكونه “الرئيس الأكثر صهيونية في العالم”. عقب فوزه في الانتخابات، بدأ بتعزيز تحالف استراتيجي مع إسرائيل عبر توقيع “اتفاقيات إسحاق”.

نتيجة لدفاعه المستميت عن إسرائيل، حظي المنتخب الأرجنتيني بدعم كبير من غلاة الطبقة السياسية الصهيونية، بما في ذلك بنيامين نتنياهو ووزيريه المتعصبين للتفوق العرقي بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير خلال نهائي كأس العالم حيث نشرا مقاطع مصورة على منصات التواصل الاجتماعي وهما يرتديان القميص الأرجنتيني المميز بالأبيض والأزرق الفاتح.

وبهذا الشكل، تخطت المباراة النهائية لكأس العالم بين إسبانيا والأرجنتين حدودها الرياضية لتكتسب بعدًا سياسيًا قويًا يعكس موقفين متباينين تجاه الصراع الاستعماري الفلسطيني الإسرائيلي.

وبدا أن نجمي الفريقين قد اختارا كل منهما الاصطفاف؛ ففي حين زار الأرجنتيني ليونيل ميسي إسرائيل عدة مرات وتولى منصب سفير لشركتي التكنولوجيا “سيرين لابس” و”أوركام”، قام الإسباني لامين جمال برفع العلم الفلسطيني عقب فوز برشلونة الأخير بالدوري الإسباني.

هذا التصرف أثار حفيظة وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الذي اعتبره “تحريضاً على كراهية إسرائيل ودعماً للإرهاب”. لكن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز دعم جمال قائلاً: “لقد عبر جمال ببساطة عن التضامن مع فلسطين وهو شعور يشاركه فيه ملايين الإسبان”.

يتعارض موقف ميسي بشكل صارخ مع موقف النجم الراحل دييغو مارادونا الذي قال: “أنا فلسطيني في صميم قلبي”.
منذ تولي ميلي الرئاسة (كاسا روسادا)، شهدت السياسة الخارجية تحولاً جذريًا بمقدار 180 درجة مما ساهم في تفسير حالة الجفاء التي يكنها قطاع واسع من الجماهير العالمية تجاه المنتخب الأرجنتيني. تاريخيًا، حافظت الأرجنتين على موقف محايد تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لأسباب عدة:.

  • أولها: احتضان البلاد أكبر جالية يهودية في أمريكا اللاتينية تتجاوز 300 ألف نسمة توافد معظمهم هرباً من المذابح التي شهدتها روسيا القيصرية.
  • ثانيها: استقبال الأرجنتين نحو 360 ألف مهاجر سوري ولبناني ضمن موجات الهجرة التي سجلت خلال العقود الأخيرة من الحكم العثماني.
    ويفسر ثقل هاتين الجاليتين امتناع الأرجنتين عن التصويت على خطة تقسيم فلسطين في الأمم المتحدة بتاريخ 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947.

يمكن تأويل تتويج إسبانيا بكأس العالم كإشارة رمزية لهزيمة أولئك الذين دعموا المنتخب الأرجنتيني وعلى رأسهم الرئيس دونالد ترمب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وانتصار لإسبانيا المتنوعة والتعددية التي يدافع عنها سانشيز وحكومته التقدمية.

في عام 2010، خلال رئاسة كريستينا فرنانديز، تخلت الأرجنتين عن حيادها بالاعتراف بدولة فلسطين بالتنسيق مع دول لاتينية أخرى مثل البرازيل وبوليفيا والإكوادور وفنزويلا وتشيلي التي نددت بدورها بنظام الفصل العنصري الإسرائيلي.

لكن العلاقات مع إسرائيل شهدت تحسنًا ملحوظًا عام 2020 خلال ولاية ألبرتو فرنانديز عندما تبنت الأرجنتين التعريف المثير للجدل لـ”معاداة السامية” الذي أقره التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست والذي ساوى بين أي نقد يوجه لإسرائيل أو للحركة الصهيونية وبين الأعمال المعادية للسامية مما شرعن ملاحقة الأصوات المناهضة للإبادة الجماعية داخل المجتمع المدني الأرجنتيني.

جاء تولي ميلي الرئاسة في ديسمبر/كانون الأول 2023 ليحدث انقلاباً جذرياً في السياسة الخارجية إذ بدأ بتعزيز العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة وإسرائيل اللتين يعتبرهما “حصن الغرب المنيع في الشرق”. تجسد أول قراراته بتعيين مرشده الروحي الحاخام أكسل واهنيش سفيرًا لدى إسرائيل معلنًا عزمه نقل السفارة الأرجنتينية من تل أبيب إلى القدس متبعاً بذلك أثر دونالد ترمب. ومنذ ذلك الحين أجرى ميلي ثلاث زيارات رسمية إلى إسرائيل حيث حظي خلالها بتكريمات عدة أبرزها جائزة.