مع اقتراب فصل الخريف، تتجه الأنظار نحو تقلبات الطقس، حيث تكشف أحدث بيانات رصد درجات حرارة البحر الأبيض المتوسط عن ظاهرة استثنائية تثير قلق خبراء المناخ والأرصاد الجوية. فقد سجلت المياه التي لطالما لعبت دورًا رئيسيًا في تشكيل أنماط الطقس في المنطقة، مستويات حرارة غير مسبوقة هذا العام، مما يفتح الباب أمام موسم خريفي قد يحمل اضطرابات جوية أكثر حدة من المعتاد.

تشير الخرائط الحاسوبية المتخصصة في مراقبة وتحليل درجات حرارة سطح البحر إلى استمرار موجة احترار استثنائية في أجزاء واسعة من البحر الأبيض المتوسط، خاصة في القطاعين الأوسط والغربي قبالة سواحل تونس وليبيا، حيث تجاوزت درجات حرارة المياه معدلاتها الطبيعية بفوارق تراوحت بين 5 و6 درجات مئوية في بعض المناطق.

ما المقصود بالاحترار غير المسبوق لمياه البحر الأبيض المتوسط؟

يعني الاحترار غير المسبوق أن درجات حرارة سطح البحر تجاوزت متوسطاتها التاريخية بفارق كبير ولمدة طويلة، وهو ما يؤدي إلى اختزان كميات هائلة من الطاقة الحرارية داخل المياه.

يُعتبر البحر الأبيض المتوسط من أكثر البحار تأثرًا بالتغيرات المناخية، إذ تشير العديد من الدراسات إلى أن معدل ارتفاع حرارته يفوق المعدل العالمي في بعض الفترات، نتيجة تزايد موجات الحر وارتفاع حرارة الغلاف الجوي وتغير أنماط دوران الهواء. لذا فإن أي زيادة استثنائية في حرارة مياهه تُعتبر محل اهتمام كبير من العلماء.

كيف وصلت الحرارة إلى هذه المستويات؟

وفقًا لبيانات الرصد، تراوحت درجات حرارة سطح المياه في بعض أجزاء وسط وغرب البحر الأبيض المتوسط بين 31 و33 درجة مئوية، وهي مستويات مرتفعة بصورة لافتة لهذا المسطح المائي.

ويعزو خبراء الأرصاد هذا الارتفاع إلى عدة عوامل متزامنة، أبرزها موجات الحر المتكررة التي ضربت جنوب أوروبا وشمال إفريقيا خلال الصيف، واستمرار تأثير القباب الحرارية لفترات طويلة، بالإضافة إلى التأثيرات الممتدة لظاهرة النينيو التي ساهمت في رفع درجات حرارة الغلاف الجوي والمحيطات عالميًا خلال الأشهر الماضية.

لماذا يثير هذا الاحترار قلق خبراء الطقس؟

تكمن خطورة ارتفاع حرارة البحر في أنه يعمل كمخزن ضخم للطاقة والرطوبة. ومع بداية الخريف ووصول كتل هوائية أبرد إلى المنطقة، يزداد الفارق الحراري بين سطح البحر الدافئ والهواء البارد في طبقات الجو العليا.

يُعتبر هذا التباين أحد أهم العوامل التي تساعد على نشوء حالات قوية من عدم الاستقرار الجوي، مما قد يؤدي إلى تشكل سحب رعدية كثيفة مصحوبة بأمطار غزيرة خلال فترات زمنية قصيرة. كما يمكن أن ينشط العواصف الرعدية وتساقط البَرَد في بعض المناطق.

كيف قد تتأثر المنطقة العربية؟

رغم أنه لا يمكن حسم طبيعة الموسم الخريفي مسبقًا، فإن استمرار دفء مياه البحر قد يزيد من قابلية تشكل اضطرابات جوية مؤثرة عند توافر الظروف الجوية المناسبة.

قد تنعكس هذه الأوضاع على أجزاء من دول المغرب العربي، خاصة السواحل الشمالية لتونس وليبيا والجزائر. كما يُحتمل امتداد تأثير بعض الأنظمة الجوية إلى مناطق أخرى من الحوض الأوسط للبحر الأبيض المتوسط وفقًا لمسار المنخفضات والكتل الهوائية خلال الخريف.

كذلك قد تشهد بعض المناطق هطول أمطار غزيرة في فترات قصيرة مما قد يرفع مخاطر السيول والفيضانات المحلية، لا سيما في المدن الساحلية والمناطق منخفضة الارتفاع.

هل يعني ذلك أن الخريف سيكون أكثر عنفًا؟

يرى المختصون أن ارتفاع حرارة البحر لا يعني بالضرورة أن جميع أشهر الخريف ستشهد أحوالًا جوية عنيفة. لكنه يمثل عاملًا مهمًا يزيد من فرص تطور الظواهر الجوية القوية إذا تزامن مع وجود منخفضات جوية مناسبة في طبقات الجو العليا.

بعبارة أخرى، يوفر البحر “الوقود” بينما يعتمد تشكل الحالات الجوية الشديدة على توافر بقية العناصر الجوية اللازمة.

العواصف المتوسطية هل تعود إلى الواجهة؟

من بين السيناريوهات التي يراقبها خبراء الأرصاد باهتمام احتمال تهيؤ الظروف لتشكل ما يُعرف بالعواصف المتوسطية (Medicanes)، وهي أنظمة جوية نادرة تشبه الأعاصير المدارية في بعض خصائصها لكنها تتكون فوق مياه البحر الأبيض المتوسط.

يؤكد المختصون أن الاحترار الحالي يرفع من قابلية البحر لتزويد هذه المنخفضات بطاقة إضافية. إلا أن تشكلها يبقى مرتبطًا بتوافر مجموعة معقدة من الظروف الجوية؛ لذلك لا يمكن الجزم بحدوثها خلال الموسم المقبل.

مؤشرات تستحق المتابعة.

مع استمرار درجات حرارة البحر عند مستويات أعلى من معدلاتها الطبيعية، يُوصي خبراء الطقس بمتابعة التحديثات الجوية خلال شهري سبتمبر وأكتوبر اللذين يشهدان عادة بداية النشاط الفعلي للحالات الجوية الخريفية. ففي ظل التغيرات المناخية المتسارعة لم تعد حرارة البحر مجرد رقم في نشرات الأرصاد بل أصبحت مؤشرًا رئيسيًا قد يرسم ملامح الطقس في المنطقة العربية خلال الأشهر المقبلة ويحدد مدى قوة وتأثير الاضطرابات الجوية المحتملة.