سلطت صحيفة إلبايس الضوء على تداعيات التغير المناخي والارتفاع الشديد لدرجات الحرارة حول العالم وتأثيرها على جودة النوم، في دراسة شملت أكثر من 1300 مدينة عالمية.

استعرضت الصحيفة كيف تسلب الليالي الحارة الملايين من ساعات النوم، محذرة من العواقب الصحية الوخيمة، الجسدية والنفسية، المرتبطة بهذا الحرمان، ومبرزة الفروق الواضحة في مستويات التأثر بين مختلف القارات والدول.

أفادت الصحيفة في التقرير الذي ترجمته “عربي21” بأن الليالي الاستوائية – التي لا تنخفض فيها درجة الحرارة عن 20 درجة مئوية – والليالي شديدة الحرارة – التي لا تنخفض فيها عن 25 درجة – آخذة في الانتشار في إسبانيا وجزء كبير من أوروبا الغربية. يأتي ذلك تزامنًا مع دفع التغير المناخي للظواهر المتطرفة مثل موجات الحر التي نشهدها هذا الصيف. لا يتسبب هذا الأمر في الشعور بعدم الراحة فحسب، بل إن قلة النوم ترتبط بمشاكل جسدية ونفسية مثل تراجع الأداء الإدراكي، وانخفاض الإنتاجية، ومشاكل القلب والأوعية الدموية، فضلاً عن الاكتئاب والغضب.

أوضحت الدراسة التي أجرتها مجموعة من العلماء والمختصين في مؤسسة “كلايمت سنترال” كيفية قياس ساعات النوم المفقودة بسبب الحرارة والدور الذي يلعبه التغير المناخي الناجم أساسًا عن الوقود الأحفوري. وقد ركزوا تحليلهم على 1338 مدينة حول العالم يزيد عدد سكانها عن 500 ألف نسمة. وخلصوا إلى أن الفرد العادي فقد 56 ساعة من النوم سنويًا خلال الفترة ما بين عامي 2020 و2025، حيث يعود أكثر بقليل من 10 بالمئة من هذا الوقت المسلوب إلى التغير المناخي. بعبارة أخرى؛ لولا الاحتباس الحراري لما فُقدت ست ساعات من النوم.

كما أشارت الصحيفة إلى أن المشكلة تفاقمت خلال الخمسين عامًا الماضية؛ فقد احتسب الباحثون الساعات المفقودة في سبعينيات القرن الماضي وخلصوا إلى أنها بلغت في المتوسط 46 ساعة سنويًا، مقارنة بـ 56 ساعة حاليًا في هذه المدن. علاوة على ذلك، فإن حجم فقدان النوم المرتبط بدرجات الحرارة الناجمة عن تغير المناخ قد تضاعف على الأقل منذ أوائل السبعينيات في جميع المدن تقريبًا.

تم إدراج ست مدن إسبانية في الدراسة، وتصدرت هذه المدن الكبرى القائمة في أوروبا، إلى جانب بعض المدن الإيطالية والعاصمة اليونانية أثينا فيما يتعلق بالساعات المقدرة لفقدان النوم بسبب الحر. حيث جاءت مدينة فالنسيا في المركز الأول بـ 42 ساعة مفقودة (16 بالمئة منها مرتبطة بالاحتباس الحراري)، تليها ملقا بـ 41 ساعة (14 بالمئة)، وإشبيلية بـ 40 ساعة (13 بالمئة)، وبرشلونة بـ 39 ساعة (12 بالمئة)، وسرقسطة بـ 34 ساعة (16 بالمئة)، ومدريد بـ 30 ساعة (16 بالمئة). وتتصدر مدينة نابولي الإيطالية تلك القائمة على مستوى أوروبا بـ 51 ساعة مفقودة، حيث يمثل الاحتباس الحراري نحو 12 بالمئة منها.

أكدت الصحيفة أن هذه الساعات الإحدى والخمسين في نابولي تعتبر قليلة جدًا مقارنة بما يصل إلى 87 ساعة تُقدر لمدن في المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، يبرز معدو الدراسة أن المدن التي تشهد أكبر خسائر في النوم مرتبطة بتغير المناخ – ما بين 12 و16 ساعة – تقع تحديدًا في منطقة الشرق الأوسط.

نقلت الصحيفة ما صرحت به الدكتورة كورتني هوارد، رئيسة التحالف العالمي للمناخ والصحة، حيث أشارت إلى أن البالغين يحتاجون إلى ما بين 7 و9 ساعات من النوم ليلاً للحصول على صحة مثالية. وأضافت أن النوم لأقل من سبع ساعات ليلًا يرتبط بضعف وظائف المناعة وتراجع الأداء وزيادة الأخطاء والألم والحوادث. حذرت هوارد أيضًا أنه إذا استمر ضعف النوم بشكل منتظم فإنه يرتبط بزيادة الوزن ومرض السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والأوعية الدموية وزيادة خطر الوفاة.

أظهرت الدراسة أن خسائر النوم المرتبطة بتغير المناخ كانت مرتفعة أيضًا في أماكن أخرى حارة بطبيعتها؛ حيث أفادت بأن سكان جنوب الهند والعديد من دول جنوب شرق آسيا فقدوا ما بين 78 و91 ساعة من النوم سنويًا بسبب ارتفاع درجات الحرارة ليلًا، بما في ذلك نحو ثماني إلى تسع ساعات ناجمة عن تغير المناخ.

أبرزت الصحيفة أن هذا التحليل يستند إلى أحد الأبحاث المرجعية حول الحرارة ومشاكل النوم وتغير المناخ؛ حيث استخدمت مجموعة من الباحثين من جامعات دنماركية وألمانية بيانات حوالي 50 ألف شخص من 68 دولة كانوا يستخدمون أساور ذكية تسجل نشاطهم وقاموا بقياس كيفية تأثير الحرارة على النوم. وما فعله فريق “كلايمت سنترال” الآن هو مقاطعة تلك النتائج التي نُشرت في مجلة “وان إيرث” مع بيانات درجات الحرارة الدنيا اليومية المستمدة من نظام “إيرا5” التابع للمركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى.

أوضحت البيانات المستخدمة أنها متوسطات لدرجة حرارة الهواء بالقرب من السطح مما يعني أن السجلات الحقيقية قد تختلف بناءً على السكن والتهوية والحرارة المحتجزة وإمكانية الوصول إلى التبريد كما تشير مؤسسة “كلايمت سنترال”. لكنهم يذكرون أيضًا أن البحث الذي انطلق منه هذا التحليل يُقدر استجابات النوم في بيئات حقيقية حيث يمكن للأشخاص استخدام التبريد أو طرق أخرى لمواجهة الحرارة.

وأشارت الدكتورة هوارد إلى أن ارتفاع درجات الحرارة ليلاً يضر بنوم البشر مع ملاحظة تأثير أكبر على سكان البلدان ذات الدخل المنخفض وكبار السن والنساء. وأضافت الصحيفة أن الدراسة المرجعية التي تستخدمها “كلايمت سنترال” سبق أن ركزت على التأثير السلبي لارتفاع درجات الحرارة ليلاً والذي يتضاعف لأكثر من مرتين لدى الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا مقارنة بالبالغين في منتصف العمر. ويضيف الباحثون أن هذا التأثير أعلى بثلاث مرات تقريبًا للأشخاص الذين يعيشون بالفعل في دول ذات دخل منخفض ومتوسط مقارنة بالأشخاص الذين يعيشون في دول ذات دخل مرتفع. كما وجدت الدراسة نفسها تأثيرات أكبر بين النساء والأشخاص الذين يعيشون بالفعل في مناطق أكثر دفئٕا.

وأوضح المؤلفون أن أجهزة التكييف يمكن أن تساعد الناس على مواجهة الليالي الحارة لكن الوصول إليها غالباً ما يرتبط بمستوى الدخل ولا تزال درجات الحرارة المرتفعة قادرة على تقليل ساعات النوم حتى عند توفر هذه الأنظمة. يُقدر أنه بحلول عام 2021 كان نحو 35 بالمئة فقط من المنازل تحتوي على أجهزة تكييف.

وشددت هوارد أنه مع تسبب تغير المناخ بزيادة تواتر وشدة الليالي الحارة يجب الاعتراف باضطراب النوم كقلق متزايد سواء بالنسبة للصحة العامة أو الإنتاجية البشرية. ولهذا السبب تدافع هوارد عن الحاجة إلى اتخاذ تدابير تكيف تعالج عدم المساواة والعمل بشكل عاجل للحدّ من انبعاثات الغازات الدفيئة لحماية الصحة والازدهار.