شهدت أسعار ذاكرة الوصول العشوائي (RAM) قفزة ملحوظة خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، في ظاهرة غير معتادة لقطاع كان قد اعتاد على انخفاض الأسعار بشكل تدريجي لسنوات طويلة. وبحسب تقرير حديث، من المتوقع أن تستمر الضغوط على سوق الذاكرة حتى عام 2026، نتيجة للزيادة الكبيرة في الطلب من شركات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف RAM في أجهزة الكمبيوتر والهواتف والأجهزة اللوحية.

ما هي RAM ولماذا تعتبر مهمة؟

ذاكرة RAM هي المكون الذي يحتفظ بالبيانات والتعليمات التي يحتاج إليها المعالج بسرعة أثناء تشغيل البرامج. عندما يحتاج المعالج إلى بيانات معينة، تقوم RAM بسحبها من وحدة التخزين والاحتفاظ بها بشكل مؤقت لتمكين المعالج من الوصول إليها بسرعة أكبر. كلما زادت سعة RAM، زادت كمية البيانات التي يمكن للجهاز الاحتفاظ بها جاهزة للاستخدام. ولهذا، فإن إضافة المزيد من RAM تعتبر وسيلة أكثر فاعلية لتحسين أداء الكمبيوتر مقارنة بالاعتماد فقط على معالج أسرع.

3 شركات تسيطر على معظم سوق RAM

الذكاء الاصطناعي يسحب الذاكرة من السوق

رغم أن DRAM وHBM هما نوعان مختلفان من الذاكرة، إلا أنهما يعتمدان على موارد التصنيع نفسها، بما في ذلك رقائق السيليكون. تحتاج HBM إلى موارد تصنيع أكبر بكثير؛ حيث أشار الرئيس التنفيذي لشركة Micron، سانجاي ميهروترا، في عام 2024 إلى أن إنتاج وحدة واحدة من HBM يتطلب نحو ثلاثة أضعاف إمدادات رقائق السيليكون اللازمة لإنتاج ذاكرة DDR5 الموجهة للمستهلكين. هذا يعني أن زيادة إنتاج HBM لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تأتي على حساب جزء من الطاقة الإنتاجية التي كان يمكن توجيهها إلى ذاكرة DRAM التقليدية المستخدمة في الأجهزة الشخصية.

أسعار DDR5 قفزت بأكثر من 4 أضعاف

تكشف بيانات PCPartPicker عن حجم الارتفاع في أسعار الذاكرة خلال الـ18 شهرًا الماضية؛ حيث ارتفع سعر حزمة مكونة من شريحتي DDR5-4800 بسعة 16 جيجابايت لكل منهما من أقل من 100 دولار في بداية عام 2025 إلى أكثر من 400 دولار حاليًا. كما ارتفع سعر ذاكرة DDR5-6000 بسعة 32 جيجابايت من أقل من 250 دولارًا إلى أكثر من 1200 دولار، وهو ما يقترب من تكلفة جهاز MacBook Air كامل.

لماذا وصلت الأسعار إلى هذا المستوى؟

الإجابة المختصرة وفق التقرير هي: الذكاء الاصطناعي. أما السبب الأوسع فهو أن شركات الذكاء الاصطناعي المدعومة باستثمارات ضخمة بدأت في حجز كميات هائلة من القدرات الإنتاجية لمكونات مراكز البيانات، بما في ذلك الذاكرة. ولسنوات طويلة كان سوق RAM يتسم بدرجة كبيرة من القدرة على التنبؤ بالطلب، لكن طفرة الذكاء الاصطناعي غيرت هذه المعادلة بسرعة مع سباق شركات التكنولوجيا لبناء مراكز بيانات ضخمة وتوسيع قدرات الحوسبة.

مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تستهلك كميات ضخمة من الذاكرة

يقدم التقرير مثالًا على حجم الاستهلاك عبر مركز Colossus التابع لشركة xAI في مدينة ممفيس الأمريكية؛ حيث يضم المركز نحو 555 ألف وحدة معالجة رسومية من NVIDIA بقيمة تقارب 18 مليار دولار. تشمل هذه المنظومة نحو 520 ألف وحدة Grace Blackwell 200 بذاكرة تصل إلى 192 جيجابايت لكل وحدة و30 ألف وحدة Grace Blackwell 300 بذاكرة تصل إلى 288 جيجابايت بالإضافة إلى 30 ألف وحدة H100/H200.
ويقدر التقرير أن هذا المركز وحده قد يعتمد على ما يصل إلى 112 مليون جيجابايت من الذاكرة، وهي كمية تعادل تقريبًا الذاكرة الموجودة في أكثر من 14 مليون هاتف iPhone 17 أو أكثر من 9.3 مليون هاتف Galaxy S26؛ مع التأكيد على أن الذاكرة المستخدمة في مراكز البيانات ليست هي نفسها المتواجدة داخل الهواتف ولكن تعتمد على موارد تصنيع مشتركة.

الأزمة قد تمتد لسنوات

لا تبدو المشكلة قصيرة الأجل؛ حيث يتوقع قيادات شركات تصنيع الذاكرة استمرار الضغط على المعروض خلال السنوات المقبلة. قال الرئيس التنفيذي لـSK Hynix إن الأوضاع قد تصبح أكثر صعوبة بحلول عام 2027، بينما توقع الرئيس التنفيذي لـMicron استمرار ظروف نقص المعروض أو ضيق الإمدادات حتى بعد عام 2027. كما تشير توقعات نقلها التقرير عن Deloitte إلى أن السوق قد لا يشهد انفراجة حقيقية قبل عام 2030.

لماذا لا تصنع Samsung وMicron وSK Hynix المزيد من RAM؟

قد يبدو الحل بسيطًا: زيادة الإنتاج، لكن بناء مصنع جديد للذاكرة ليس عملية سريعة؛ إذ يحتاج إنشاء منشأة جديدة إلى مليارات الدولارات وسنوات عديدة للتطوير. بالإضافة إلى معدات تصنيع دقيقة وبيئات إنتاج فائقة النظافة. يشير التقرير إلى أن مصنع Micron في بويزي بولاية أيداهو يضم غرفة نظيفة ذات فئة أولى لا يسمح فيها إلا بكمية ضئيلة جدًا من الغبار. كما تخطط SK Hynix لبناء مصنعين جديدين للذاكرة في كوريا الجنوبية بتكلفة إجمالية تبلغ نحو 38.1 مليار دولار؛ ومن المتوقع أن يبدأ الإنتاج وفق الخطط الحالية في يونيو عام 2029.

لماذا تفضل الشركات إنتاج HBM؟

هناك عامل اقتصادي يزيد صعوبة الأزمة؛ إذ إن ذاكرة HBM تحقق أرباحًا أعلى مقارنة بـDRAM التقليدية. تستعد شركات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الكبرى لدفع أسعار مرتفعة للحصول على الإمدادات المتاحة، ولهذا اتجهت الشركات المصنعة لإعطاء أولوية أكبر للذاكرة المخصصة لأحمال الذكاء الاصطناعي. وفي نهاية عام 2025 قررت Micron الخروج من نشاط Crucial الموجه للمستهلكين مبررة القرار بالرغبة في تحسين الإمدادات والدعم لعملائها الاستراتيجيين في القطاعات الأسرع نموًا.

شركات الذاكرة تحقق أرباحًا ضخمة

وتوضح النتائج المالية مدى استفادة الشركات المصنعة جراء طفرة الطلب؛ فقد سجلت Micron إيرادات فصلية بلغت نحو 28.86 مليار دولار وهامش ربح إجمالي بلغ حوالي84.9%في يونيو الماضي, كما أعلنت SK Hynix عن إيرادات قياسية مع ارتفاع أرباحها التشغيلية بنسبة557%على أساس سنوي, وسجل قطاع الذاكرة لدى Samsung أيضًا مستويات قياسية للإيرادات والأرباح.

متى تنخفض أسعار RAM؟
h2>

لا يوجد موعد مؤكد حتى الآن, ويرى التقرير أنه قد تتراجع الأسعار بشكل حاد إذا تباطأ سباق الذكاء الاصطناعي أو انفجرت فقاعة الاستثمار بهذا القطاع قبل الموعد المتوقع, لكن إذا استمر الطلب الحالي فقد تبقى السوق تعاني نقصاً لسنوات, وتشير التوقعات الحالية إلى أنه قد لا يحدث عودة الأسعار لمستويات طبيعية قبل عامي2029أو2030, وربما تستمر الضغوط بعد ذلك بحسب سرعة نمو الطلب على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.