ـ تعارفت الدراسات العلمية للأحزاب على قاعدتين أساسيتين:
• الأولى، أن ظهور الأحزاب يرتبط بشرطين:
1. شرط موضوعى، بمعنى وجود أزمة في المجتمع.
2. شرط ذاتى، بمعنى إحساس جماعة ما بقدرتها على حل تلك الأزمة، فتؤسس لحزب سياسي له برنامج يطرح حلولًا مناسبة.
• الثانية، أن مقومات تشكيل حزب حقيقي تستدعي وجود محورين:
1. هيكل حزبي قوي
2. برنامج معروف، أو نطاق فكري “أيدولوجيا” أو فلسفة معينة على الأقل.
ـ ومع ما تغوص فيه مصر من أزمات، هل وجد أولئك أو هؤلاء ـ قبل أو بعد 25 يناير ـ الحل في أنفسهم، أو صنع أحدهم هياكل حزبية سليمة، أو طرح برنامجًا واضحًا، أو تبنى فلسفةً محددة يمكن من خلالها حل الأزمات أو على الأقل مناقشتها بموضوعية؟
أرى أن الإجابة ستكون “غثاء السيل”!
ـ أخطاء الأحزاب بعد 25 يناير:
1. التعددية الشكلية:
سادت ظاهرة “التحزب”، فأصبح كل اتجاه سياسي يدعي التعبير عنه ما يقرب من 5 أو 6 أحزاب مختلفة. وبلغ عدد الأحزاب 100 حزب لا تعبر جميعها إلا عن نصف مليون مواطن هم عدد المؤسسين من أصل 90 مليون مواطن وقتها، على فرض أن ذلك النصف مليون يعلم من الأساس أنه عضو في حزب ما!
2. الممارسات القديمة:
فشلت الأحزاب، جديدها وقديمها، في بناء استراتيجية جديدة للتعامل مع الوضع السياسي الجديد. وعادت إلى ممارساتها قبل عام 2011 بنفس الأسلوب التسطيحي كحركة “ما يحكمش” في 2009. فتسابقت على عقد الصفقات السياسية مع السلطة واستخدام المال السياسي، والاعتماد على الترويج للأشخاص وليس لأفكار الحزب. وقبلت بكوتة الحكومة للبرلمان وباعت صكوك مقاعد الكوتة في المزاد العلني كما فعل حزب أحداث اليوم الجديد صاحب السبق دائمًا..!
3. الشخصنة:
الإرتباط المتملق لشخص رئيس الحزب دون ارتباط بأهداف الحزب وبرامجه؛ فهذا زعيم وذاك كبير وذلك مناضل.
4. غموض الهدف:
عدم استيعاب المسافة بين الهدف والوسيلة؛ إذ أن هدف أي حزب هو الوصول للسلطة لتطبيق برنامجه ومشروعه السياسي.
5. رد الفعل:
اختارت الأحزاب سياسة “رد الفعل” وليس دور “الفاعل” في الحياة السياسية، فتحولت جميعها إلى عبء على كاهل الوطن.
6. إرضاء السلطة:
اقتصر دور الأحزاب على محاولات إرضاء السلطة في المقام الأول، والغريب أنها محاولات تطوعية تملقية لم تطلبها السلطة التي لا ترى تلك الأحزاب أصلًا؛ بل ترى في الأيدولوجيات السياسية نوعًا من الميوعة..!.
فنجد على سبيل المثال أن حزب أحداث اليوم الجديد، أحد أعرق أحزاب العالم، أعلن على لسان أكثر من رئيس وأكدت قادته من خلفه وفي أكثر من مناسبة أنه ليس حزبًا معارضًا وإنما هو حزب داعم لنظام الدولة المصرية وأنه سيبقى على العهد في دعم القيادة السياسية.
وحقيقة لم أتمكن من معرفة طبيعة ذلك العهد ولا طرفيه ولا شروطه؛ رغم أن ألف باء السياسة تضع حدًّا فاصلًا بين الدولة كعنصر مطلق لا يقبل الخلاف عليه وبين نظام حكمها كعنصر متغير يخضع للمنافسة؛ وأن سبب وجود الحزب على الساحة أصلًا هو أنه يملك برنامجًا له رؤية أخرى تختلف عن رؤية نظام الحكم وقيادته السياسية.
7. غياب الرؤية:
انعدمت رؤية الأحزاب للوضع السياسي على مستوى الأحداث العامة والسياسات الخاصة بالحزب نفسه؛ وباتت برامج الأحزاب متشابهة وأهدافها متداخلة إلى حد كبير.
الإنفجار الحزبي:
ـ ظاهرة معروفة بعد الثورات وهو ما جرى في مصر؛ إلا أنه قد ساعد عليه عدة عوامل أهمها:
1. تغيير البيئة القانونية.
2. شروط تأسيس الأحزاب التي صارت بمجرد الإخطار بعد استيفاء الشروط القانونية رغم أنها جعلت تشكيل الحزب أكثر صعوبة.
3. التفكك الحزبي للتيارات السياسية الكبيرة؛ فخرج أكثر من حزب يعبر عن نفس التيار.
4. عدم وجود حزب من رحم يناير يفرض نفسه متحدثاً باسمها.
5. بزوغ نجم الليبرالية؛ موضة العصر في مصر يدعيها كل من أراد إنشاء حزب سياسي فترة ما بعد 25 يناير؛ بينما أكاد أجزم ومن واقع تجاربي واستبياناتي الشخصية أنه لا أحد من أغلب أصحاب تلك الأحزاب بما فيها أحداث اليوم الجديد نفسه وريث مؤسس الليبرالية المصرية يعى مفهوم الليبرالية الحقيقي ولا معناها ولا التباين بين أنواعها ولا عناصر أيدولوجيتها ولا ترجمة أفكارها إلى واقع ملموس يمكنه المساهمة في حل الأزمات المصرية; بدءاً من رغيف الخبز إلى سد النهضة الإثيوبي حتى ولو من باب المعلومات العامة.
ـــ ونلتقي الحلقة القادمة مع من اهتم فشاء أن يتابع ذلك إن أراد الله وكان في العمر بقية؛ سبحانه هو المستعان منه نهتدي وإليه نستند وبه تعالى نتأيّد ولك يا مصر السلامة وسلاما يا بلادي.

