تبحث وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” إجراء تقييمات ميدانية شاملة حول مستقبل انتشار قواتها وقواعدها في الشرق الأوسط، في خطوة تعكس التغيرات الجذرية المحتملة التي قد تطرأ على الخارطة العسكرية بالمنطقة نتيجة حرب إيران.
وأفادت صحيفة “واشنطن بوست” نقلاً عن مصادر مطلعة ومسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية، بأن البنتاجون يقوم بتحليل استرشادي لا يرتقي حتى الآن إلى مرتبة المراجعة الرسمية، لتحديد مصير القواعد والمنشآت العسكرية الكبرى التي تعرضت لضربات مكثفة في الخليج، وما إذا كان سيتم إعادة إعمارها بالكامل أو تقليص القوات فيها.
تقييم الأضرار ومستقبل الوجود العسكري الأمريكي في الخليج
أتاحت الأضرار الكبيرة التي لحقت بالمنشآت العسكرية فرصة استثنائية لمراجعة الوجود العسكري الممتد منذ عقود، حيث ألمحت قيادات الدفاع إلى إمكانية عدم إعادة بناء القواعد بالشكل الذي كانت عليه قبل نشوب حرب إيران.
يتولى مكتب السياسات في البنتاجون قيادة هذا التحليل بمشاركة هيئة الأركان المشتركة والقيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم”.
وأوضح مسؤول رفيع في البنتاجون أن وزير الدفاع بيت هيجسيث لم يصدر حتى الآن أمراً بمراجعة رسمية شاملة للوضع العسكري، واصفاً الإجراءات الحالية بأنها “تخطيط احترازي” يمهد للقرارات النهائية للإدارة، مضيفاً: “سيكون علينا اتخاذ قرارات بشأن بعض هذه المسائل”.
تشرف القيادة المركزية عادةً على نشر نحو 40 ألف جندي يتوزعون على ما يقارب 20 موقعاً عسكرياً عبر نطاق يمتد 1500 ميل من الأردن إلى عمان، قبل أن تدفع واشنطن مطلع العام بتعزيزات بحرية وجوية ومنظومات دفاع متطورة لتأمين قواتها وتنفيذ أكثر من 13 ألف ضربة ضد أهداف إيرانية.
تداعيات خفض القوات وخلافات الإدارة الأمريكية
تركز كبرى القواعد الأمريكية في منطقة الخليج، حيث تستضيف البحرين مقر الأسطول الخامس، وتضم الكويت منشآت حيوية للقوات البرية والجوية.
اعتمدت دول المنطقة لعقود على المظلة الأمنية الأمريكية، مما يجعل أي تقليص عسكري مفاجئ تحدياً لقدرتها الذاتية على صد الهجمات بمفردها؛ لأن بناء بدائل دفاعية أو التحالف مع قوى أخرى يتطلب فترات زمنية طويلة.
أدى هذا التوجه إلى تصاعد التباين داخل الإدارة الأمريكية بين تيار يدعو للتمسك بالتدخلات الإقليمية وآخر يطالب بتقليص الالتزامات الخارجية للتركيز على الأمن الداخلي ومواجهة منافسين دوليين مثل الصين.
وأكد مسؤول أمريكي أن قائد القيادة المركزية الأدميرال برادلي كوبر يدعم المباحثات المتعلقة بإمكانية إعادة تموضع القوات ونقلها غرباً بعيداً عن مياه الخليج.
كانت القيادة المركزية قد أخلت عدة منشآت قبل اندلاع حرب إيران في فبراير لتفادي الصواريخ والطائرات المسيرة.
ذكر مصدر مطلع أن بعض تلك الترتيبات قد تستمر بعد الحرب، مضيفاً: “إيران تعتقد أننا متواجدون في مواقعنا التقليدية، لكننا لسنا هناك”.
استنزاف المنظومات وخسائر الوجود العسكري الأمريكي في الخليج
أسفرت الهجمات خلال الصراع عن مقتل 6 عسكريين أمريكيين خلال استهداف ميناء الشعيبية الكويتي في مارس الماضي، وتضرر أو تدمير أكثر من 200 منشأة أمريكية وفق بيانات نشرتها صحيفة “واشنطن بوست” في مايو، بالإضافة إلى استهلاك أكثر من 1000 صاروخ اعتراضي متطور للدفاع الجوي مما شكل ضغطاً على المخزون الاستراتيجي لصواريخ “باتريوت” و”ثاد”.
قال السفير الأمريكي السابق لدى السعودية ونائب رئيس البعثة في قطر سابقًا مايكل راتني: “سلطت الحرب الضوء بوضوح على هشاشة وضع القوات الأمريكية في المنطقة”. وأوضح أن سحب القوات غرباً باتجاه الأردن أو إسرائيل أو سواحل البحر الأحمر في السعودية قد يخفف المخاطر، مع تنبيهه إلى أن البعد الجغرافي ليس “حلاً مثالياً لهذه المشكلة” خاصةً بعد وصول الضربات الإيرانية لأهداف في الأردن والتي أدت لمقتل 4 جنود أمريكيين.
أثارت الضربات الإيرانية استياء حلفاء واشنطن في الخليج لشعورهم بغياب التنسيق المسبق معهم قبل بدء الحرب من جانب إدارة الرئيس دونالد ترامب.
أوضحت مديرة شؤون شبه الجزيرة العربية السابقة في مجلس الأمن القومي الأمريكي أليسون ماينور أن دول المنطقة قادرة على مواصلة التعاون الأمني والاستخباري وصفقات التسليح مع وجود قوات أقل، مشددة على ضرورة “مناقشة كل هذه الملفات بشكل شامل وعدم الاقتصار على مسألة أعداد القوات فحسب”.
تكلفة إعادة الإعمار والمقترحات البديلة للانتشار العسكري
تبلغ التقديرات المعلنة لتكلفة العمليات العسكرية نحو 37.5 مليار دولار حتى نهاية سبتمبر دون احتساب نفقات إصلاح المنشآت.
ذكر المراقب المالي لوزارة الدفاع جولز هيرست الثالث أمام مجلس الشيوخ في مايو الماضي أن تكاليف الإعمار استبعدت لعدم الاستقرار على خطة البناء، بينما قدر “معهد المشروعات الأمريكية” تكلفة ترميم المنشآت بنحو 5 مليارات دولار خلال أبريل الماضي.
يرى خبراء أن التغييرات الهيكلية في التموضع تتطلب وقتًا وموافقات قيادية عليا خاصة بعد انهيار اتفاق السلام الأولي الذي وقعه ترامب مع طهران وتجدد الضربات المتبادلة.
تتعدد الرؤى المطروحة لمستقبل الانتشار؛ حيث يقترح مركز “ديفينس برايريتيز” إغلاق القواعد الواقعة ضمن مدى الصواريخ المباشر مثل منشآت الكويت ونقل عناصر القوات من الإمارات والأردن والبحرين نحو مواقع أكثر تحصينًا مثل “قاعدة الأمير سلطان الجوية” قرب الرياض.
في المقابل دعا تقرير صادر عن “المعهد الدولي لشؤون الأمن القومي الأمريكي” خلال مارس الماضي إلى نقل المزيد من القطع والعتاد إلى “قاعدة أوفدا الجوية الإسرائيلية” التي استقبلت مقاتلات “إف-22 رابتور” خلال الشتاء تمهيدًا لعملية “الغضب الملحمي”. ومع ذلك برزت تحفظات داخل الإدارة الأمريكية خشية من فتح التوسع في إسرائيل ثغرات استخباراتية مضادة وسط مخاوف البنتاجون من أنشطة التجسس الإسرائيلي.
بالتوازي مع ذلك يقود مكتب وكيل وزارة الدفاع للسياسات إلبريدج كولبي مراجعة معلنة للانتشار الأمريكي ضمن حلف شمال الأطلسي “الناتو” عقب قرار سحب آلاف الجنود من ألمانيا وبولندا. ومن المقرر أن تختتم تلك الدراسة أعمالها بحلول ديسمبر المقبل.

