إذا أنجبتِ طفلًا مؤخرًا، فقد تصابين بحالة من فقدان التركيز، وقد تُعزين كل هذا إلى “نسيان ما بعد الولادة” ذلك الشعور بالتشوش والنسيان الذي تصفه الكثير من الأمهات الجدد، لكن هل ” فقدان التركيز ما بعد الولادة” حقيقي؟ هل يتغير الدماغ فعلًا أثناء الحمل؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يرتبط كل هذا بطريقة تفكير الأمهات الجدد؟
ويُمكن للحمل أن يُعيد تشكيل الدماغ، حيث يُعيد الحمل تشكيل الدماغ بطرقٍ جذرية، في الواقع، يُمكننا معرفة ما إذا كانت المرأة حاملًا من خلال النظر إلى بنية دماغها، وتحدث تغييرات في حجم المادة الرمادية في الدماغ، وهذه التغييرات تحدث في مناطق تتحكم في التفكير المعقد، والمزاج، و”الإدراك الاجتماعي”، أو قدرتنا على فهم احتياجات ورغبات الآخرين.
وهذه التغييرات طويلة الأمد، حيث تم رصد هذه التغيرات لدى النساء بعد ست سنوات من الولادة. بل وأظهرت دراسات سكانية واسعة النطاق وجود هذه البصمة المميزة للمادة الرمادية في الدماغ بعد عقود من الحمل.
وفي دراسة حديثة، تم فحص دماغ امرأة واحدة 26 مرة، بدءًا من قبل الحمل وحتى عامين بعد الولادة، لرصد هذه التغيرات الخاصة بحالة فقدان التركيز أثناء حدوثها.
ولاحظ الباحثون انخفاض حجم المادة الرمادية في دماغها خلال فترة الحمل، كما أصبح الغلاف الخارجي للدماغ، أي القشرة الدماغية، أرق، وكانت هذه التغيرات استجابةً للارتفاع الهائل في هرمونات الحمل، وتتبعت تغيرات الدماغ هذه الارتفاعات الهرمونية بدقة.
وفي الوقت نفسه، تعززت المادة البيضاء في دماغها، وهي الشبكة العصبية التي تربط مناطق الدماغ المختلفة، خلال فترة الحمل. وهذا يعني أن إشارات الدماغ تنتقل بشكل أسرع وأكثر كفاءة. حدث هذا التعزيز خلال الثلثين الأول والثاني من الحمل قبل أن يعود إلى مستوياته قبل الحمل بعد الولادة.
قد يبدو فقدان الدماغ للمادة الرمادية أثناء الحمل أمرًا مثيرًا للقلق، لكن من شبه المؤكد أن هذا ليس تلفًا.
وبدلًا من ذلك، يعتقد العلماء أن هذا يعكس نوعًا من الضبط الدقيق، حيث يُهيئ الدماغ نفسه لمتطلبات الأمومة، وهذا يشبه إعادة تنظيم دماغ المراهق خلال فترة البلوغ، وبدلًا من أن ينهار دماغ الأمهات، يبدو أنه يُعيد تشكيل نفسه بشكلٍ مقصود.
لكن كيف يؤثر هذا على الأمهات؟
إذا كان الدماغ يخضع لمثل هذا التغيير البنيوي الكبير، فقد نتوقع ظهور مشاكل عند اختبار طريقة تفكير الأمهات الجدد، ولكن في الغالب، لا نرى مثل هذه المشاكل.
وأكبر دراسة من نوعها، نُشرت مؤخرًا من قِبل علماء أستراليين وأمريكيين، قاسوا الذاكرة والتفكير وسرعة المعالجة لدى 150 أمًا و150 أبًا حديثي الإنجاب. ثم قارنوهم بنساء ورجال ليس لديهم أطفال.
وأظهر الآباء الجدد أداءً جيدًا تمامًا كغيرهم، دون أي مؤشر على أن الأبوة أو الأمومة قد أثرت سلبًا على الذاكرة أو التفكير. كما لم تتدهور هذه المهارات أو تتحسن بمرور الوقت، مع أداء مماثل خلال السنتين الأوليين من الأبوة.
وتُعدّ هذه الدراسة الشاملة الأحدث التي تؤكد وجود تباين بين ما تُبلّغ عنه الأمهات وما نراه في الاختبارات الموضوعية.
وتُشير بعض الدراسات إلى وجود تغييرات طفيفة، خاصةً في الذاكرة أثناء الحمل نفسه، ولكن هذه التأثيرات ضئيلة وغير متسقة، ونادرًا ما تتطابق مع التجارب التي تصفها الأمهات.
ما الذي يحدث لدماغ الأم؟
تشير الأدلة إلى أن السبب ليس تغيرات ملحوظة في وظائف الدماغ، بل ظروف الأبوة والأمومة الجديدة، والسبب الأكثر وضوحًا هو قلة النوم. فالآباء الجدد يُعانون من حرمان مزمن من النوم، ونعلم أن قلة النوم وحدها تُضعف الانتباه والذاكرة العاملة وسرعة المعالجة.
ومن اللافت للنظر أن الدراسة الأسترالية الأمريكية وجدت أن الآباء (الذين لا يمرون بالتغيرات الهرمونية المصاحبة للحمل) أظهروا أيضًا تأثيرات طفيفة على الذاكرة والتفكير، وقد ربط الباحثون ذلك بنقص النوم.
ثم هناك “العبء المعرفي” الناتج عن وجود مولود جديد، وهناك أمور كثيرة تشغل بال الوالدين الجدد، من بينها تتبع مواعيد الرضاعة، ونوم الطفل، وتغيير الحفاضات، أثناء تأقلمهم مع حياتهم الجديدة؛ لذا، فإن نسيان سبب دخولك المطبخ قد لا يدل على ضعف ذاكرتك بقدر ما يدل على أن ذهنك مشغول بأمور كثيرة في آن واحد، فالضغط النفسي والقلق والانفعالات الشديدة المصاحبة للأمومة المبكرة قد تؤثر سلبًا على تركيزنا الذي يجعلنا نشعر باليقظة والحضور الذهني.

