كان البعض يبتسم حينما يقول إنه يؤلف موسيقاه كما لو كان يكتب حوارًا، حيث وضع موسيقى فيلم “المشبوه” كأنها أسئلة متتالية: “هل يتوب البطل اللص؟ هل يغيّره الحب؟ هل يبدأ حياة جديدة؟ هل يعفو الضابط عنه؟”، لتأتي الإجابة الموسيقية أيضًا: “الله أعلم”.
عند الاستماع إلى موسيقى فيلم “لا عزاء للسيدات”، تجد تنهدات متواصلة وفضفضة من امرأة تعاني من قسوة المجتمع الذي ينال من سمعتها بالحديث والافتراء، امرأة تخلى عنها حبيبها ويصر طليقها على أنها ما زالت ملكًا له، من حقه أن يسحقها إذا أراد. تتفجر الموسيقى هاتفةً وشاكيةً ومستنجدة، معبرة عن إجبار المجتمع لها على التراجع كلما أقدمت على أي قرار أو خطوة جديدة.
تبدأ موسيقى فيلم “شمس الزناتي” بصفارة تشبه تلك المستخدمة في أفلام الرسوم المتحركة، تمامًا كما نتابع معركة الزناتي وفريقه المحدود ضد المارشال المعتدي وعصابته الكبيرة، تتعجب الجملة الموسيقية – كما وصفها صاحبها – من هذه المواجهة غير المتكافئة، لكنها تشجع الصغير صاحب الحق حتى ينتصر.
كان الناس يبتسمون، لكن هاني شنودة لم يكن يمزح أو يبالغ، فقد كان يؤمن بأن الموسيقى لغة مثل أي لغة أخرى، ولها مفرداتها و”نحوها”. كان يتحدث بها ويعيش ويتنفس من خلالها، ويتفاهم بها مع والدته التي كانت تجيد عزف البيانو. كان ينادي كل منهما الآخر بتلك اللغة ويسأله عما يريد عندما تفرق بينهما غرف المنزل. لذلك كان يشعر بالدهشة عندما ألتقي به وأبدي إعجابي بشغله، ولم يكن يجد بسهولة الكلمات المناسبة للرد. هذا الأمر تكرر مع كثيرين؛ فما يعتبره البعض مذهلًا ويستفسرون عن كيفية إبداعه أو صياغته، يعتبره هو شيئًا عاديًا. بالنسبة لك هو يصنع المعجزات، وبالنسبة له هو فقط “يعيش”، والموسيقى جزء من تلك الحياة.
قديماً كانت هناك ما تُسمى بـ”مروحة الألوان” التي يعرضها عليك مهندس الديكور لتختار ما يناسبك من بين عشرات الألوان. والحقيقة أنه لا توجد مروحة أكبر من مروحة هاني شنودة؛ إذ إن قدرته على التنوع مذهلة ومدهشة. صائغ شجن “الشوارع حواديت” هو نفسه صانع بهجة “عصابة حمادة وتوتو” و”لونجا 79 و85″. المسؤول عن رقة ونعومة “باحلم معاك” هو نفسه الذي ضبط توابل “زحمة يا دنيا زحمة” ليمنحها مذاقًا شعبيًا لا يُقارن. ربما كان أبلغ تعبير عن هذا التنوع ما قاله عن تعاونه مع محمد منير حين وصفه بأنه لقاء الدف النوبي الأصيل مع آلات “الخواجات” مثل “الإلكتريك جيتار” و”البيز جيتار” و”الكيبورد” و”الدرامز”.
أعجبه وصف الموسيقار محمد عبد الوهاب له بأنه “أقرب الخواجات لنا” أي أقرب من درسوا وعزفوا الآلات الغربية لأرباب الموسيقى الشرقية وآلاتها. عمل مدرسًا لآلة البيانو لمدة خمس سنوات وفي الوقت نفسه كان يعزف مع فرق موسيقية غربية مثل فرقة “ليه بيتي شاه” (القطط الصغيرة) في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات. لكنه لم يقنع بذلك ولم يكن راضيًا؛ لذا انتفض عام 1977 وأسس فرقة “المصريين”, التي يُعبّر اسمها عن رغبة مؤسسها في التعبير والغناء بصوته المصري, بشرط المزج بين الأغنية الشرقية والإيقاعات والتوزيعات الغربية الحديثة, مما أحدث نقلة نوعية في الأغنية المصرية, استفاد منها وصعد بها العديد من المطربين الذين ساهم في بداياتهم, أبرزهم محمد منير وعمرو دياب.
إنه صانع وجدان من الطراز الأول, فما من مصري أو عربي إلا وتسبح موسيقاه وأنغامه في مخيلته وذكرياته, حيث تتداخل أغنياته مع أفلامه ومقطوعاته الموسيقية, وما من أحد منهم إلا ويرتاح لطلته ويشعر بطيبته وخفة ظله؛ ففقدانه بالنسبة لهم يعد فقداناً لفرد من الأسرة.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع.