لم تسمح لي ظروف خاصة في كتابة مقال عن صديقي وحبيبي النجم الكبير العملاق نور الشريف في ذكرى رحيله الحادية عشرة، التي حلت منذ أيام قليلة. لكن عزائي أنني من وقت لآخر، وفي مناسبة أو بدونها، أجد نفسي مدفوعًا إلى مشاركة قراء بوابتنا المحترمة ‘فيتو’ بذكريات بعض الحكايات والنوادر والأسرار عن هذا الفنان الاستثنائي.

تلك الشخصية الفنية المثيرة والمشوقة، التي شرفت بأن خصني بها على مدار علاقة وطيدة دامت لأكثر من 25 عامًا. وها أنا في مقال اليوم أعود للكتابة مجددًا عن صديقي الراحل بجسده، لكن أعماله وأثره سيبقيان خالدين في ذاكرة العديد من الأجيال في مصر والوطن العربي كأحد أهم الفنانين في تاريخ الفن العربي.

ملك الشخصيات التاريخية

نور الشريف هو من الفنانين القلائل الذين يجيدون التمثيل باللغة العربية الفصحى، حيث يتفوق بذلك على أغلب نجوم جيله مثل عادل إمام ومحمود عبد العزيز وأحمد زكي ويحيى الفخراني. وعندما سئل عما إذا كان يغار من نجاح هؤلاء النجوم، أجاب: “أنا والحمد لله أتفوق عليهم بأنني قدمت العديد من الأدوار التاريخية باللغة العربية الفصحى، وهم لا يستطيعون فعل ذلك، ومن ثم أنا أختلف عنهم”. وأضاف: “أزعم أنني أكثر فنان له رصيد من الشخصيات التاريخية والدينية والمعاصرة”.

فقد قدمت في التلفزيون شخصية مؤسس علم الاجتماع الحقيقي ابن خلدون عام 1985، وعمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين عام 1992، وهارون الرشيد ‘الأمير المجهول’ عام 1997، وعمرو بن العاص ‘رجل الأقدار’ عام 2003.

وفي السينما، جسدت شخصية السلطان المملوكي الظاهر بيبرس في الفيلم المصري السوري الذي يحمل نفس الاسم، إخراج بولات منصوروف ووديع يوسف. كما مثلت الفيلسوف والعالم ابن رشد في فيلم ‘المصير’ ليوسف شاهين.

وفي الإذاعة أيضًا عملت مسلسلات مثل سلاما للحسين عن سيد الشهداء الحسين بن علي رضي الله عنهما. وأخيرًا لعبت شخصية الناصر صلاح الدين قاهر الصليبين.

200 عمل لصائد الجوائز

خلال مشواره الفني، قدم العملاق الراحل نور الشريف نحو 250 عملًا متنوعًا بين التلفزيون والإذاعة والمسرح والسينما. وقد حازت السينما نصيب الأسد بـ130 فيلمًا بدأها بالجزء الثاني من ثلاثية نجيب محفوظ ‘قصر الشوق’ عام 1967 للمخرج حسن الإمام وأنهاها بفيلم ‘بتوقيت القاهرة’ تأليف وإخراج أمير رمسيس عام 2014. وقد احتل المركز الثاني ضمن أفضل الممثلين في التاريخ بعد القدير شكري سرحان بسبعة أفلامٍ في استفتاء ‘100 سنة سينما’.

ومن بين أبرز أفلامه: “زوجتي والكلب” و”أبناء الصمت” و”الكرنك” و”أهل القمة” و”حدوتة مصرية” و”سواق الأتوبيس” و”العار”. كما نال عنها العديد من الجوائز حتى لقب بـ’صائد الجوائز’، ومن أهمها الجائزة الذهبية من مهرجان نيودلهي السينمائي الدولي عن فيلم ‘سواق الأتوبيس’ عام 1982 وجائزة أحسن ممثل من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عدة مرات.

المواطن البسيط هاجسه

تميزت أغلب أعمال الراحل الكبير بتعبيرها عن هموم ومشاكل وتطلعات المواطن البسيط والطبقة المتوسطة. فقد انتصر لهم في أعمال مثل ‘سواق الأتوبيس’ و’ضربة معلم’ و’أرزاق يا دنيا’ و’الحب وحده لا يكفي’. كما كانت السياسة جزءًا مهمًا في بعض هذه الأعمال ولكن بشكل غير مباشر مثل: ‘الكرنك’ و’أهل القمة’ و’كتيبة الإعدام’.

أما أعماله التلفزيونية فكان لها طابع خاص ومردود جماهيري واسع جعلته أبرز نجوم الدراما الرمضانية لسنوات طويلة منها: ‘لن أعيش في جلباب أبي’ و’عائلة الحاج متولي’ و’عمر بن عبد العزيز’ و’Hارون الرشيد’.

مكتشف النجوم والمخرجين

يعتبر الفنان نور الشريف واحداً من أكثر الفنانين الذين اكتشفوا ممثلين ومخرجين ومؤلفين جدد في تاريخ السينما والتلفزيون وقدموهم عبر أعمالهم كمنتج أو كبطل. فقد اكتشف مصطفى متولي في فيلم ‘دائرة الانتقام’ وإلهام شاهين في مسلسل ‘أديب’. كما قدم سوسن بدر وغادة عبد الرازق ورانيا يوسف عبر ‘عائلة الحاج متولي’.

كما اكتشف إيمان العاصي وشريف سلامة وزينة في مسلسل ‘حضرة المتهم أبي’. أما بالنسبة للمخرجين فقد غامر بإنتاج أول أعماله كمنتج بتقديم المخرج سمير سيف لأول مرة في فيلم ‘دائرة الانتقام’.

لقطات خاصة

حكى لي الفنان نور الشريف أنه خلال فترة شبابه ورغم قيامه بعدد كبير من الأدوار إلا أنه مر بظروف مادية صعبة. ومع ذلك كان يرفض العديد من الأعمال التي وجدها غير متوافقة مع شخصيته وقناعاته مما دفعه للاتجاه إلى التلفزيون رغم عشقه للسينما لتغطية احتياجاته.

كما أخبرني أنه أثناء تجسيده لشخصية عمر بن عبد العزيز قرأ أكثر من ثلاثين كتابًا للإلمام بكل تفاصيل الشخصية قبل البدء بالتمثيل.

وكشف لي أيضًا أنه تلقى عروضًا سياسية للترشح لعضوية مجلس الشعب استغلالاً لشعبيته لكنه رفض بشدة مؤكدًا أن الفنان يجب ألا ينضم إلى أي تنظيم سياسي حتى لا يحد من حريته ورغبته في تناول القضايا المختلفة.

في النهاية قال لي إنه لديه عدة أحلام فنية يود تحقيقها منها فيلم عن الرئيس جمال عبد الناصر كونه ناصري النزعة ويعتبر أن شخصية ناصر ثرية جدًا وتحتاج إلى عشرات الأفلام لتناولها بشكل كامل! ومن أحلامه أيضًا تجسيد شخصية الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات وشخصية مؤسس حركة حماس أحمد ياسين بالإضافة إلى القائد العربي العظيم خالد بن الوليد.

رحم الله ذلك الفنان العملاق الإنسان نور الشريف الذي أسعدنا وأسعد أجيالاً وما زال أثره موجوداً رغم غياب جسده.