استعرض مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء الاتجاهات العالمية في اقتصاد الرعاية، والذي يمثل إحدى الركائز غير المرئية للنشاط الاقتصادي. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى احتمال نقص عالمي في العاملين في مجال الرعاية الصحية لا يقل عن 10 ملايين عامل بحلول عام 2030، وقد يصل العدد إلى أكثر من 78 مليونًا فيما بعد، مما يحد من قدرة الأنظمة الصحية على تقديم خدماتها. ويعاني حاليًا نحو 60% من سكان العالم (حوالي 4.5 مليار شخص) من نقص في الخدمات الصحية الأساسية مثل التطعيم، ورعاية الأمومة الآمنة، وعلاج الأمراض المزمنة، ما ينعكس في تأخر العلاج وارتفاع معدلات وفيات الأمهات والمواليد.
وفي السياق ذاته، تشير تقديرات معهد ماكينزي للصحة لعام 2025 إلى أن سد فجوة نقص العاملين في مجال الرعاية الصحية يمكن أن يمنع فقدان نحو 189 مليون سنة من العمر بسبب الوفاة المبكرة والإعاقة (ما يعادل 7% من عبء المرض العالمي). كما قد يحقق أثرًا اقتصاديًّا عالميًّا يُقدَّر بنحو 1.1 تريليون دولار، منها حوالي 300 مليار دولار نتيجة التوسع المباشر في وظائف القطاع، إضافة إلى المكاسب غير المباشرة الناتجة عن تحسين صحة القوى العاملة وزيادة الإنتاجية.
وعلى مستوى سوق العمل، أشارت أحدث البيانات المنشورة على موقع منظمة العمل الدولية إلى أن عدد العاملين في خدمات الرعاية بلغ نحو 381 مليون عامل على مستوى العالم. كما يوجد نحو 748 مليون شخص خارج القوى العاملة بسبب مسؤوليات الرعاية، وتظهر الفجوة في الأجور بين الجنسين في قطاع الصحة والرعاية نسبة تصل إلى 24%.
وتُظهر بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة في أكتوبر 2025 أن النساء يقضين في المتوسط ضعف عدد ساعات العمل غير المدفوعة الأجر يوميًا مقارنة بالرجال. وتتحمل الفتيات مبكرًا هذا العبء؛ إذ يؤدين نحو 160 مليون ساعة إضافية يوميًا في أعمال الرعاية المنزلية غير المدفوعة مقارنة بالفتيان. ويتسع هذا التفاوت في ظل ضعف الخدمات العامة والبنية التحتية، خاصةً في المناطق الريفية والأسر التي تفتقر إلى المياه الجارية أو الكهرباء أو خدمات رعاية الأطفال بأسعار ميسورة؛ مما يزيد من أعباء العمل غير المدفوع على النساء.
كما تمتد الفجوة إلى سوق العمل؛ حيث تشغل النساء غالبية وظائف الرعاية المدفوعة كالتمريض والعمل المنزلي ورعاية الأطفال، لكنها غالبًا وظائف غير رسمية ومنخفضة الأجر وضعيفة الحماية. وتشير التقديرات إلى أن نحو 80% من الذين يعملون في المنازل هم من النساء، وكثيرات منهن مهاجرات ويواجهن استبعادًا من قوانين العمل؛ مما يزيد من تعرضهن للاستغلال ويؤكد أهمية تعزيز حقوقهن.
وفي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أظهرت البيانات أنه من المتوقع أن يستمر الطلب على العاملين في مجال الرعاية طويلة الأمد بالارتفاع خلال السنوات القادمة نتيجة لشيخوخة السكان وتغير أنماط الرعاية غير الرسمية وفقًا لتقرير المنظمة الصادر في نوفمبر 2025.
أوضح التحليل أنه على الرغم من هذا الطلب المتزايد، ظل متوسط عدد العاملين في مجال الرعاية طويلة الأمد ثابتًا عند (5) لكل (100) شخص ممن تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر بين عامي 2013 و2023، وذلك في 31 دولة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي توفرت بياناتها.
ويواجه قطاع الرعاية طويلة الأجل صعوبات مستمرة في استقطاب الكفاءات وتلبية الطلب المتزايد بسبب سوء ظروف العمل بما فيها تدني الأجور وارتفاع المخاطر البدنية والنفسية وعقود العمل غير النظامية وضعف التقدير.
كما يُعدّ العمل غير النظامي شائعًا في هذا القطاع؛ ففي 31 دولة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي قدمت بياناتها كان أكثر من ثلث العاملين في مجال الرعاية طويلة الأجل يعملون بدوام جزئي، مع نسب أعلى بكثير في أستراليا (91%) وهولندا (74%) وكوريا الجنوبية (69%). علاوة على ذلك، يعمل واحد من كل ستة عاملين في مجال الرعاية طويلة الأجل بعقود محددة المدة.
وفي ظل نقص العمالة تتزايد أهمية العمال المهاجرين في قطاع الرعاية طويلة الأجل؛ ففي 26 دولة أوروبية من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ارتفعت نسبة العاملين الأجانب في هذا القطاع من 14% عام 2014 إلى 21% عام 2024.
وأكد التحليل أن التقديرات العالمية والإقليمية الجديدة لمنظمة العمل الدولية تشير إلى أن مسؤوليات الرعاية لا تزال السبب الرئيس لغياب النساء عن القوى العاملة. ففي عام 2023 بلغ عدد الأشخاص غير المشاركين في سوق العمل ممن تبلغ أعمارهم 15 عامًا فأكثر حوالي 2.4 مليار شخص بينهم حوالي 1.6 مليار امرأة (66%). كما أظهرت البيانات أن حوالي748 مليون شخص ممن لا يشاركون السوق أشاروا إلى مسؤوليات الرعاية كسبب لعدم مشاركتهم وهو ما يمثل أكثر من30%من إجمالي غير المشاركين عالميًّا.
في المقابل لا تتجاوز نسبة الرجال غير النشطين الذين يعزون عدم مشاركتهم إلى مسؤوليات الرعاية5%. وهذا يُبرز التفاوت الصارخ بين الجنسين فيما يتعلق بتوزيع أعباء الرعاية حيث تضطلع النساء بالنصيب الأكبر من تربية الأطفال ورعاية ودعم الأشخاص ذوي الإعاقة والأشخاص المحتاجين لرعاية طويلة الأمد بالإضافة للأعمال المنزلية وغيرها من مسؤوليات الرعاية بينما يُرجع الرجال غالبًا عدم مشاركتهم لأسباب شخصية مثل الدراسة أو المشكلات الصحية.
أوضح التحليل أن بيانات مستمدة من108 دول تشير إلى أن60%من الرجال الذين ذكروا أسباب شخصية لعدم مشاركتهم كانوا يدرسون مقارنة بـ22%فقط لدى النساء مما يشير إلى وجود عوامل شخصية أخرى تحدد مشاركة النساء مثل الأعراف الثقافية والتوقعات المجتمعية التي تثنيهن عن الانخراط بسوق العمل. وتجدر الإشارة هنا إلى أن فئة “الأسباب الشخصية” تشمل أيضًا أولئك الذين لا يرغب شركاؤهم بانخراطهم بأعمال مدفوعة الأجر بالإضافة لأسباب أخرى خارجة عن إرادتهم.
أما فيما يتعلق بالمناطق الجغرافية فقد أشار التحليل إلى أن النساء ببعض مناطق إفريقيا والدول العربية سجِّلت أعلى معدلات بقاء خارج سوق العمل بسبب التزامات الرعاية؛ ففي شمال إفريقيا تُشير63%من النساء غير العاملات لأسباب تتعلق بالرعاية بينما تبلغ هذه النسبة59%في الدول العربية.
وتُشير هذه البيانات إلى أن الأدوار بين الجنسين ونقص سياسات وأنظمة الدعم مثل حماية الأمومة وإجازة الأبوة والأمومة المدفوعة ورعاية الأطفال بأسعار معقولة تحد بشكل كبير من مشاركة المرأة بسوق العمل.
أما على الصعيد العالمي فإن ثلثي النساء اللاتي هن ضمن سن العمل(من25إلى54عاما) خارج سوق العمل أي379مليون امرأة يعزون عدم مشاركتهن لمسؤوليات رعاية الأسرة. وفي البلدان ذات الدخل المرتفع تبلغ هذه النسبة48% بينما ترتفع بشكل كبير بالدول ذات الدخل المتوسط الأدنى لتصل74%. وفي مختلف المناطق الفرعية يظهر هذا الاتجاه بشكل واضح بشمال إفريقيا وجنوب آسيا والدول العربية ووسط وغرب آسيا حيث يشير أكثر من70%من النساء خارج القوى العاملة لرعايتهم للأسرة كسبب لعدم مشاركتهن مما يؤكد التحديات التي تواجهها النساء لتحقيق التوازن بين العمل والأسرة بمختلف السياقات الاجتماعية والاقتصادية وعلى مدار حياتهن.
وعن الجهود المصرية لدعم وتنمية اقتصاد الرعاية فقد أوضح التحليل أن الدولة المصرية شهدت خلال السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بتعزيز قطاعات الرعاية بوصفها أحد المكونات الأساسية للتنمية البشرية وتحقيق النمو الاقتصادي المستدام. وقد تجسد هذا الاهتمام بتبني مجموعة استراتيجيات وطنية وبرامج ومبادرات استهدفت تطوير خدمات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية ورعاية الطفولة وتمكين المرأة بما يعكس إدراكًا متناميًا للدور الذي يؤديه الاستثمار بالرعايا لتنمية رأس المال البشري وزيادة المشاركة الاقتصادية وتحسين جودة الحياة وتعزيز النمو الشامل والمستدام.
ويستند هذا التوجه لإطار دستوري وتشريعي يشمل دستور2014 الذي أكد على حماية حقوق المسنين والأطفال وذوي الإعاقة حيث نصت المادة(83)على التزام الدولة بتوفير رعاية صحية واجتماعية وثقافية لهم وفي إطار التشريعات الحديثة تم إصدار قانون رعاية حقوق المسنين رقم(19)لسنة2024 الذي يمثل نقلة نوعية لتحسين ظروف حياة المسنين بمصر ويضمن لهم الحماية الاجتماعية والصحية كما يعكس قانون الطفل رقم(12)لسنة1996 المعدل بالقانون رقم(126)لسنة2008 اهتمام الدولة بحقوق الأطفال عبر ضمان رعايتهم وحمايتهم ضد العنف وإتاحة التعليم المبكر.
كما نص قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم(10)لسنة2018 على توفير بيئة مهيأة لهم وضمان تكافؤ الفرص وفيما يخص الرعاية المنزلية صدر القرار الوزاري(56)لسنة2021 لتنظيم العلاقة بين أصحاب العمل والعاملين بالمنازل.
أفاد التحليل بأن تقديرات دراسة مشتركة بين وزارة التضامن الاجتماعي وهيئة الأمم المتحدة للمرأة تشير لوجود فرص واعدة للتوسع بالاستثمارات الاجتماعية بقطاع رعايا الطفولة والتعليم المبكر بمصر فعلى المدى القصير (2-3سنوات) هناك حاجة لتوفير2.2مليون مكان إضافي بما يتطلب استثمارات تُقارب18مليار جنيه ومن المتوقع أن يُسهم ذلك بتوفير نحو459ألف فرصة عمل أما على المدى الطويل(10سنوات) فهناك حاجة لنحو9ملايين مكان إضافي باستثمارات تُناهز283مليار جنيه مما يعكس الإمكانات الكبيرة لهذا القطاع لدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز فرص التشغيل.
وتعكس هذه التقديرات الإمكانات الاقتصادية الكبيرة لقطاع الرعايا بوصفه محركًا غير تقليدي للنمو وخلق الوظائف خاصةً للنساء.
أوضح التحليل ختاماً بأن السياسات والتوجهات الدولية والوطنية بمجال اقتصاد الرعايا تعكس تحولاً تدريجيًّا بإدراك هذا القطاع كونه عبئاً اجتماعيًّا غير مرئي ليصبح ركيزة اقتصادية وتنموية قادرة على توليد فرص عمل وتعزيز النمو الشامل وتقليص الفجوات بين الجنسين وبالتالي لم يعد الاستثمار باقتصاد الراعية خياراً اجتماعياً فحسب بل أصبح ضرورة اقتصادية لتحقيق الكفاءة بسوق العمل وتعزيز رأس المال البشري وضمان استدامة النمو مع التحولات الديموجرافية المتسارعة لذا فإن تطوير هذا القطاع يمثل مدخلاً أساسياً لإعادة هيكلة العلاقة بين الاقتصاد والعمل والرعايا بما يدعم مسارات تنموية أكثر عدالة واستدامة.

