في قلب الريف المصري، حيث تمتزج رائحة الأرض بآهات الفلاحين، وحيث لا تزال الذاكرة تحتفظ بحكايات التشبث بتراب الوطن، تتجلى اليوم أزمة تقنين أوضاع واضعي اليد كأحد أعقد الملفات التي تضع المواطن في مواجهة مباشرة مع الحكومة. القصة التي ترويها شكاوى أهالي قرية أبو غالب بمركز منشأة القناطر في محافظة الجيزة ليست مجرد سطور عادية، بل هي ملحمة بؤس إنساني تعيد طرح السؤال الوجودي: لمن الأرض؟ ولمن تُسن القوانين؟
مفارقات الجغرافيا
عند تأمل خريطة مصر، نجد أن العدالة في تحديد قيم التقنين والإيجارات ليست سوى أسطورة؛ أما الواقع فهو غاية من التفاوت غير المبرر. تُعد محافظة الجيزة، وتحديدًا مركز منشأة القناطر، نموذجًا صارخًا لهذا التغول المالي. بينما تنعم محافظات أخرى بتقديرات إيجارية تتناسب -ولو نسبيًا- مع دخل الفلاح والمواطن البسيط، تصدر الجهات المختصة في الجيزة تقديرات إيجارية فلكية.
كأنما هي في صراع محموم لتعظيم الجباية دون أدنى اعتبار لمتوسط دخل الفرد في هذه القرى، التي تعتمد في معظمها على عمالة يومية لا تملك من حطام الدنيا إلا سقفًا يأوي أطفالها من زمهرير الشتاء وحر الصيف.
إن هذا التباين الشاسع بين محافظة وأخرى يطرح تساؤلات مشروعة حول معيارية التقدير. هل هناك قواعد علمية واقتصادية حقيقية تحكم هذا التسعير؟ أم أن الأمر متروك لمزاج الموظف الذي يرى في المواطن صيدًا ثمينًا أو مصدرًا للتمويل، بعيدًا عن أي حس سياسي أو وطني يدرك أن استقرار الفلاح في أرضه هو جزء لا يتجزأ من أمن مصر القومي.
فساد البيروقراطية
إن أخطر ما يواجه الدولة في ملفات التقنين هو ترك هذا الملف لموظفي المحليات أو بعض الوزارات والهيئات ومنها الهيئة العامة للإصلاح الزراعي. الإدارة المحلية على سبيل المثال، التي كان من المفترض أن تكون الأقرب للمواطن والأكثر تفهمًا لمشاكله، تحولت في كثير من الأحيان إلى دولة داخل الدولة. وفي غياب الرقابة الحقيقية على لجان التقدير وتفشي البيروقراطية الجامدة، أصبح تقييم المتر المربع أداة للمساومة والضغط.
عندما يُترك موظف ليحدد مصير أسر كاملة بجرّة قلم في تقدير إيجاري مبالغ فيه، فإننا نفتح الباب واسعًا ليس فقط للخطأ الإداري بل للفساد الممنهج. الفساد هنا ليس بالضرورة رشوة مباشرة بل هو فساد المنطق والتقدير؛ عندما يُفرض على المواطن سعر إيجار لا يقدر عليه، فإنه يُدفع دفعًا نحو التعثر ثم التهديد بالإخلاء. وفي هذه اللحظة يبدأ فقدان الثقة بين الناس والحكومة.
الصراع بين التملك والإيجار
إن الانتقال من القانون رقم 144 لسنة 2017 الذي كان يحمل في طياته بصيص أمل بالتملك وامتلاك الناس للأرض التي يقيمون عليها إلى القانون رقم 168 لسنة 2026 الذي لا يقدم سوى عقد إيجار مؤقت هو انتكاسة حقيقية لمفهوم المواطنة. الدولة التي تريد أن تحمي أراضيها لا يمكنها أن تنجح عبر تحويل مواطنيها إلى مستأجرين في بيوتهم وأرضهم التي عمروها بعرقهم ودمائهم وأموالهم.
الحقيقة أن هذا القانون بصيغته الحالية -كما يراه المواطنون في أبو غالب- جعل من السكن عبئًا بدلًا من أن يكون ملجأً. وبالتالي فإن السياسة الحكيمة تقتضي أن يكون التقنين وسيلة لتثبيت الناس في أراضيهم وليس وسيلة لزعزعة استقرارهم المادي والوجودي؛ لأن هؤلاء البسطاء ليسوا مغتصبي أراضٍ بل هم أبناء قرى ريفية بنوا حياتهم على أرض اعتقدوا أنها ستكون يومًا ملكًا لهم.
نداء إلى الحكومة
إن أهلنا في أبو غالب لا يطالبون بمعجزة؛ إنهم يطالبون بالإنصاف ويطلبون أن تنظر إليهم الدولة بعين الرحمة والعدالة لا بعين الجباية. إنهم يطالبون بوقف التقديرات الجزافية التي تجحف بحقوقهم وإعادة فتح باب التملك وليس الإيجار بأسعار غير واقعية. يجب على الحكومة مراعاة الحالة الاقتصادية المتردية لهم وخاصة أن الريف هو خط الدفاع الأول الذي يحفظ لمصر توازنها الاجتماعي.
لا ينبغي أن يستمر هذا الوضع؛ فاستمراره يعني دفع المئات -بل الآلاف- نحو اليأس. واليأس كما تعلمنا دروس التاريخ هو التربة الخصبة التي تنمو فيها كل أنواع الاحتقان. لذا يجب وقفة مراجعة حاسمة وتشكيل لجان تفتيش نزيهة تنزل إلى القرى لتقييم الوضع على الطبيعة بعيدًا عن أوراق المكاتب المكيفة لتدرك حجم المعاناة وأن المواطن البسيط في منشأة القناطر لم يعد يحتمل مزيدًا من الأعباء.
السياسة هي الانحياز للناس
في النهاية، السياسة جوهرها الانحياز للإنسان وعندما يتعارض القانون مع مصلحة المواطن الأساسية في السكن فالأولى تغيير القانون بدلاً من إجبار المواطن على الانكسار. قضية أهالي أبو غالب هي قضية رأي عام وقضية ضمير وطني؛ هل سنترك هؤلاء البسطاء رهينة لموظفي المحليات وأرقامهم التعسفية؟ أم ستنتصر إرادة العدل لتمنحهم حقهم في أرضهم لتظل أرض مصر عامرة بأهلها لا بمستأجريها؟
إن صوت أهالي أبو غالب ليس مجرد استغاثة بل هو جرس إنذار لكل من يهمه أمر هذا الوطن؛ الاستقرار لا يتحقق بجباية الأموال من الفقراء بل بحماية كرامتهم وصون مساكنهم والتعامل معهم كشركاء في هذا الوطن لا كأطراف في عملية تجارية غير متكافئة.
الحكومة بكل مؤسساتها مطالبة بالانتباه لهذا الملف الشائك لأن تعديل مسار التقنين ومراعاة الفوارق بين المحافظات ووضع سقف عادل للإيجارات يتناسب مع دخل عمالة القرى ليس منحة بل هو واجب وطني وأخلاقي. فالمواطن الذي يثق في دولته هو المواطن الذي يبنيها أما المواطن الذي يشعر بالظلم فهو الذي -لا قدر الله- قد يدير ظهره لكل شيء.
العدل أساس الملك والإنصاف هو أقصر الطرق لقلوب الناس فهل نرى استجابة ترفع الظلم وتوقف نزيف الجباية أم سنظل أسرى لبيروقراطية لا ترى في الفلاح إلا أرقاماً في دفاتر الإيجار؟ إن غدًا لناظره قريب والأرض التي تعب فيها الفلاح هي التي ستظل شاهدة على صدق المطالب أو على انكسار الآمال.

