اتخذت الحكومة المصرية قرارًا بتقليص رقعة زراعة قصب السكر إلى 170 ألف فدان بدلاً من 330 ألف فدان، وذلك ضمن خطة لتقليل الاستهلاك المائي وتفادي حدوث عجز مائي. ورغم أن هذا القرار يحمل في ظاهره مزايا، إلا أنه قد يخفي في باطنه أزمات اجتماعية واقتصادية تهدد مزارع الصعيد والبنية التحتية الصناعية المخصصة لهذا المحصول. ولتسليط الضوء على نقاط القوة والضعف، أجرت “فيتو” حوارًا مع الدكتور نادر نور الدين، خبير الزراعة والري وعضو الجمعية العمومية السابق لشركات السكر.
– ماذا يمثل محصول قصب السكر لأهل الصعيد؟
– يُعتبر قصب السكر روح أهالي الصعيد. فمع ارتفاع درجات الحرارة في بعض المناطق التي قد تصل إلى 50 درجة مئوية، يصبح المناخ في جنوب ووسط الصعيد أقرب إلى مناخ الخليج منه إلى البحر المتوسط، مما يجعل من الصعب على الناس الخروج للعمل في هذا الجو الحار. ويُعد قصب السكر أنسب محصول لهم لأنه يُحصد مرة واحدة سنويًا ويظل في الأرض لمدة خمس سنوات قبل تجديد الزراعة. كما أن أعباء خدمته أقل مقارنة بالخضروات والفاكهة، حيث لا يحتاج المزارع للتواجد اليومي في الحقل ولا يتطلب كميات كبيرة من المبيدات أو المعاملات الزراعية. بالإضافة إلى ذلك، يعود عليه بعائد اقتصادي جيد، خاصة وأن القدرة الشرائية في الصعيد منخفضة ونسب الفقر هناك تزيد عن ضعف مثيلاتها في الوجه البحري.
– وما الذي يجعل قصب السكر محصولًا اقتصاديًا مهمًا للصعيد؟
منذ أيام عبود باشا عند إنشاء مصنع السكر في نجع حمادي لاستغلال هذا المحصول، أصبح قصب السكر جزءًا أساسيًا من اقتصاد الصعيد. لدينا مصانع سكر في المنيا ونجع حمادي وسوهاج وغيرها، مما يتطلب الاستفادة من هذه البنية الصناعية. القصب لا يقتصر على إنتاج السكر فقط بل ينتج أيضًا 17 سلعة أخرى. كما أن مصانع السكر قائمة منذ أكثر من 120 عامًا وقد تم إنشاء خطوط سكك حديدية خاصة لنقل المحصول مباشرة إلى المصانع، مما يعكس حجم الاستثمارات التي أُقيمت لخدمة هذا المحصول على مدار أكثر من قرن. لذلك فإن تقليص المساحة من 330 ألف فدان إلى 170 ألف فدان غير منطقي، خاصة أن فدان القصب ينتج كمية سكر تعادل مرتين ونصف إنتاج فدان البنجر.
– ما أبرز الصناعات والمنتجات التي تعتمد على قصب السكر؟
أهالي الصعيد يعشقون العسل الأسود الذي يستخدمونه ليس فقط كغذاء بل أيضًا للعلاج. فعندما يصاب أحدهم بحمى أو ضربة شمس، يُعدون له “عجينة العسل الأسود” للمساعدة في خفض الحرارة. بالإضافة إلى ذلك، ينتج القصب العسل الأسود والخل والأسيتون وأنواع مرتفعة القيمة من السكر مثل الفركتوز.
كما تستخدم مصانع السكر “البجاس” كوقود بديل للغاز الطبيعي مما يوفر ملايين الجنيهات سنويًا لأنه ناتج عن المحصول نفسه. كذلك يتم إنتاج الإيثانول أو الكحول الأبيض الذي تحتاجه المستشفيات كمطهر وتستخدمه العديد من المصانع ويتم تصدير كميات كبيرة منه، حيث تُعد مصر عاشر أكبر مصدر للإيثانول في العالم اعتمادًا على قصب السكر.
– هناك من يقول إن قصب السكر يستهلك مياه أكثر من البنجر.. كيف ترى ذلك؟
يجب أن تكون المقارنة عادلة؛ حيث يبقى البنجر في الأرض لمدة 8 أشهر بينما يبقى القصب لمدة 12 شهرًا وبالتالي يحصل على مياه أكثر ولكن بالمقابل ينتج مرتين ونصف كمية السكر التي ينتجها البنجر. إذا كان البنجر يستهلك نحو 8000 متر مكعب فإن القصب يستهلك حوالي 12000 متر مكعب، ومع ذلك فإن العائد الاقتصادي أفضل للقصب.
أيضاً استهلاك المياه يختلف بحسب المناخ؛ ففي المنيا يستهلك الفدان نحو 10000 متر مكعب بينما يصل هذا الرقم إلى 12000 متر مكعب في أسوان. لذا المناخ هو العامل المؤثر وليس المحصول بحد ذاته.
المسألة ليست كمية المياه فقط بل العائد من كل متر مكعب؛ فالأرز مثلاً قد يستهلك نحو 4000 متر مكعب ويحقق إنتاجاً يصل إلى 4 أطنان بينما القمح يعطي نحو 2.5 طن فقط رغم أن سعر الأرز أعلى.
أضف إلى ذلك أن البنجر إذا تم التوسع في زراعته بالمناطق شديدة الحرارة قد يستهلك مياه أكثر من القصب بسبب أوراقه العريضة التي تفقد كميات كبيرة بفعل الحرارة المرتفعة.
– وما تأثير تقليص زراعة القصب على الصناعات المرتبطة به؟
سيؤثر تقليص زراعة القصب بشكل كبير على مصانع العسل الأسود والعصارات ومحلات عصير القصب ومصانع الخل والأسيتون والفركتوز والجلوكوز المستخدم في صناعة الحلويات وحتى بعض الصناعات مثل مزيلات العرق تعتمد على مشتقات القصب.
– هل بالفعل نجحت زراعة البنجر في الدلتا؟
التوسع في زراعة البنجر جاء على حساب محاصيل أخرى مثل الفول والعدس والكتان والقمح بسبب إنشاء مصانع السكر الجديدة بالدلتا وأصبح الفلاح يزرع البنجر لأنه يضمن تسويق محصوله.
– وما تعليقك على الاتجاه لنقل زراعة البنجر إلى الصحراء؟
إذا تم نقل البنجر للصحراء أو غرب المنيا فما مصير مصانع استخلاص السكر الموجودة بكفر الشيخ والشرقية والإسماعيلية وغيرها؟ هل سيتم إنشاء مصانع جديدة هناك؟ أرى أن القرار يحمل العديد من المشكلات.
– برأيك.. ما الاستراتيجية الأنسب لحماية محصول قصب السكر؟
لا أرى أن المشكلة تكمن فقط في استهلاك المياه؛ لأن القصب يحصل على كمية مياه تتناسب مع إنتاجيته وهو ينتج ضعف كمية السكر تقريباً مقارنة بمحاصيل أخرى كما أنه يمكن التوسع فيه بالمنيا حيث المناخ أقل حرارة لكن لا يجب إهمال مصانع نجع حمادي وأسيوط وسوهاج وأسوان لأنها صُممت خصيصاً للقصب ولا يمكن تشغيلها بالبنجر.
كما شهدت بحيرة ناصر مستويات تخزين مرتفعة خلال السنوات السبع الماضية ويتم فتح توشكى لتصريف كميات منها لذا لا أرى ضرورة للتضييق على زراعة القصب بحجة المياه فقط..

