تشهد دول حوض البحر المتوسط، وعلى رأسها تونس والجزائر، موجة حر قاسية اقتربت فيها درجات الحرارة من حاجز الخمسين درجة مئوية، مما أدى إلى اندلاع حرائق غابات واسعة النطاق، وإجلاء الآلاف، وانهيار شبه كامل في شبكات الكهرباء في بعض المناطق.
تزامنت هذه الكارثة البيئية والإنسانية مع تحذيرات علمية تشير إلى أن العالم يقف على أعتاب واحدة من أقوى موجات ظاهرة “النينيو” منذ عام 1950، مما ينذر بفصول أكثر قسوة في الأشهر المقبلة.
ووفق خبراء الأرصاد الجوية، فإن ما تشهده تونس والجزائر يعود إلى ظاهرة تعرف بـ”القبة الحرارية”، حيث يسيطر مرتفع مداري علوي قوي على المنطقة مع انخفاض في الضغط السطحي، مما يؤدي إلى حبس الهواء الساخن ومنعه من الصعود، مع استمرار التسخين الشمسي للأرض. وأوضحوا أن هذه القبة الحرارية منعت صعود الهواء الساخن لأعلى وهبوط الهواء البارد لأسفل، مما أدى إلى استمرار ارتفاع درجات الحرارة بشكل غير مسبوق. وقد وصلت درجات الحرارة في تونس العاصمة إلى 46 درجة، ما جعلها ثاني أكثر مدن العالم حرارة خلال الأيام الماضية. وحذر الخبراء من أن الارتفاع المبالغ فيه في درجات الحرارة قد ينذر بأن الأسوأ قادم، كما أن تونس تعيش أسوأ موجة حرائق منذ سنوات.
وأدت الحرارة الشديدة، بالتزامن مع انخفاض الرطوبة، إلى تجفيف النباتات والأعشاب، مما جعلها مادة سريعة الاشتعال. ومع الرياح النشطة، خاصة على المنحدرات الجبلية، كانت الشرارة الأولى كافية سواء من صواعق أو نشاط بشري لإشعال حرائق التهمت آلاف الهكتارات من الغابات في شمال شرق الجزائر وغرب تونس.
أعلن المدير العام للغابات بوزارة الفلاحة محمد نوفل بن حاحا أن الحرائق أتت على نحو 4400 هكتار من الغابات منذ مطلع مايو الماضي، بزيادة تقارب 63% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وكشف بن حاحا أنه تم تسجيل 75 حريقاً في الغابات و108 حرائق في المناطق الشجيرية طالت ولايات عدة أبرزها زغوان وبنزرت وباجة وجندوبة والكاف وسليانة. وأشار إلى تنفيذ 917 تدخلاً لإخماد الحرائق مقابل 620 تدخلاً فقط في العام الماضي، مما يعكس حجم الكارثة.
ولم تقتصر تداعيات الموجة الحارة على الغابات؛ ففي تطور خطير أعلنت الشركة التونسية للكهرباء والغاز عن انقطاعات دورية ومفاجئة للتيار الكهربائي أثارت غضباً عارماً في الشارع التونسي.
وأوضح المدير العام للشركة فيصل طريفة أن استهلاك الكهرباء بلغ مستويات غير مسبوقة بسبب الاستخدام المكثف لمكيفات الهواء حيث ارتفع الاستهلاك بنحو 30% عن المعدلات العادية ليصل إلى حوالي 6000 ميجاواط.
وقال طريفة إن الشركة لجأت إلى تخفيض الأحمال عبر قطع مبرمج ومؤقت للتيار بهدف الحفاظ على التوازن بين الإنتاج والاستهلاك ومنع انهيار الشبكة الوطنية بالكامل. وأكد أن هذا الإجراء يهدف لتفادي انقطاع شامل للكهرباء على مستوى البلاد. وأضاف أن العطل التقني الذي طرأ على منشأة طاقية بمنطقة سيدى عقبة شرق الجزائر والتي تعتمد عليها تونس في تبادل الطاقة ساهم في تفاقم الأزمة.
وحذر المركز الأمريكي للتنبؤ بالمناخ من أن العالم يقف على أعتاب واحدة من أقوى موجات ظاهرة “النينيو”. وأشار إلى احتمال استمرار الظاهرة حتى أوائل ربيع 2027 بنسبة تصل إلى 97% مع فرصة تصل إلى 81% لتطورها إلى نينيو شديدة القوة خلال نهاية العام.
كما توقعت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن تتعزز “النينيو” بسرعة مما يرفع احتمالات موجات الحر والجفاف والأمطار الغزيرة والظواهر الجوية شديدة الخطورة في مناطق واسعة من العالم.
وأوضح خبراء المناخ أن ظاهرة النينيو وإن كانت لا تحدد مستقبل الأمطار في منطقة البحر المتوسط بشكل مباشر فإنها تغير حركة الغلاف الجوي على مستوى الكوكب وقد تنعكس على تونس عبر ارتفاع احتمال الفترات الحارة وامتدادها واضطراب توزيع الأمطار وتزايد فرص الظواهر الجوية الخطيرة مما يعني أن حرائق هذا الصيف قد تكون مجرد بداية لفصول أكثر قسوة.

