من هي أم المؤمنين السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها وما أهم مناقبها وقصة طلاقها من زيد بن حارثة وزواجها من الرسول صلى الله عليه وسلم؟ تفاصيل كثيرة نتعرف عليها من خلال هذه السطور.
هي زينب بنت جحش بن رياب بن يعمر الأسدي، ابنة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمها أميمة بنت عبد المطلب. وكانت من المهاجرات الأوائل، وقد وصفها أبو نعيم فقال عنها: “الخاشعة، الراضية، الأواهة، الداعية”. وأخوها عبد الله بن جحش رضي الله عنه هو أول أمير في الإسلام.
وُلدت السيدة زينب بنت جحش في الجاهلية سنة 33 قبل الهجرة، وكان اسمها “برَّة”، فسماها النبي صلى الله عليه وآله وسلم “زينب”. وكانت تُكنى بأم الحكم، وهي إحدى المهاجرات الأول.
زَوَّجَهَا النبي صلى الله عليه وسلم مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه، فمكثت عنده قريبًا من سنة أو أكثر، ثم وقع بينهما ما وقع. فجاء زيد يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما في حديث أنس رضي الله عنه قال: “جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اتقِ الله وأمسك عليك زوجك. قال أنس: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا لكتم هذه” رواه البخاري.
وروى عبد الرزاق عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه﴾ [الأحزاب: 37]، قال: “أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعم النبي عليه بالعتق. قال قتادة: جاء زيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن زينب اشْتَدَّ عَلَيَّ لسانُهَا وأنا أريد أن أطلقها. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿أمسك عليك زوجك واتقِ الله﴾ والنبي يحب أن يطلقها ويخشى قالة الناس إن أمره أن يطلقها. فنزلت الآية ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبدٍيه وتخشَى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ فلما قضى زيد منها وطرًا قال قتادة: لما طلقها زيد ﴿زوجناكِهَا﴾ [الأحزاب: 37].
قال الحافظ ابن حجر: “الذي كان يُخفيه النبي صلى الله عليه وسلم هو إخبارُ اللَّه إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس: تزوج امرأة ابنه. وأراد اللَّه إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبنِّي.”.
الزواج من فوق سبع سماوات
ثم زوجَها اللَّه تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم سنة ثلاثٍ من الهجرة بعد أن طلقها زيدٌ. وكان رسول اللَّه قد تبنّى زيدًا فكان يُدعى “زيد بن محمد”. فلما نزل قوله تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند اللَّه﴾ [الأحزاب: 55] تزوج رسول اللَّه بها بعد الطلاق وهدم ما كان معروفًا في الجاهلية من أمر التبنِّي.
ودخلت زينب بيت النبوة وحظيت بقرب النبي صلى الله عليه وسلم وروت عددًا من الأحاديث عنه. وكان نساء النبي صلى الله عليه وسلم حزبيّن؛ حزب تقوده عائشة وحزب تقوده أم سلمة. وكانت زينب في حزب أم سلمة ضد عائشة، ويقع بينهن ما يقع بين الضَرائر لكنهن لا يظلمْن ولا يفترِينَ ولا يكذِبنَ؛ وفيهنَّ من الورع والتقوى ما يمنعهن من ذلك. ورغم شدة التنافس على القرب من النبي بين عائشة وزينب إلا أنهما كانتا تُنصفان بعضهما البعض في القول والحكم والوصف.
ومنذ اختارها اللَّه لرسوله وهي تفخر بذلك على أمهات المؤمنين وتقول -كما ثبت في “البخاري”: “زوّجكن أهاليكن وزوّجني اللَّه تعالى مِن فوق سبع سماوات”. وسماها النبي بعد الزواج زينب وأطعم عليها يومئذٍ خبزًا ولحمًا.
وفي شأنها أنزل اللَّه تعالى الأمر بإدناء الحجاب وبيان ما يجب مراعاته من حقوق نساء النبي عليه الصلاة والسلام وكانت رضي اللَّه عنها من سادة النساء دينًا وورعًا وجودًا ومعروفًا ومُعينَةً لليتامى ومواسيةً للأرامل وقد فاقت أقرانها خلقًا وخُلقًا.
قصة المغافير
وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يزور السيدة زينب ويمكث معها ويشرب العسل عندها فغارت بعض نسائه وأردن أن يصرفنه عن ذلك؛ فعن عائشة رضي اللَّه عنها قالت إن النبي كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلًا فتواصيت أنا وحفصة بأن أيّتَنَا دخل عليها النبي فلْتَقُلْ إني أجد منك ريح مغافير! فأدخل على إحداهما فقالت له ذلك فقال لا بل شربت عسلًا عند زينب بنت جحش ولن أعود له فنزلت الآية ﴿يا أيُّهَا النَّبيُّ لم تحرِّمُ ما أحلَّ اللَّه لك﴾ إلى قوله ﴿إن تتوبا﴾ لعائشة وحفصة ﴿وإذ أسرَّ النَّبيُّ إلى بعض أزواجه حديثا﴾ لقوله بل شربت عسلًا رواه البخاري ومسلم.
مناقب أم المؤمنين زينب بنت جحش
ومن مناقبها رضي اللَّه عنها أنها أثنت على عائشة أم المؤمنين خيراً عندما استشارها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم في حادث الإفك؛ ففي الحديث قالت عائشة: وكان رسول اللَّه صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ سألَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زوج النّبيِّ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ عن أمري: “ما علمتِ؟ أو ما رأيتِ؟” فقالت يا رسول اللّه أحمي سمعي وبصري والله ما علمت إلا خيراً. قالت عائشة وهي التي كانت تُسامنيني مِن أزواج النّبيِّ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ فعصمَهَا اللّه بالورع رواه البخاري ومسلم.
ومن مناقبها أنها كانت ورعةً قوامة تديم الصيام وكثيرة التصدق وفعل الخير وكانت من صُنّاع اليد تدبغ وتخرز ثم تتصدق بثمن ذلك وقد أثنى رسول اللّه صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ على كثرة تصدقها وكنّى عن ذلك بطول يدها؛ فعن عائشة أم المؤمنين قالت قال رسول اللّه صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ: “أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً” فقالت فكُنَّ يتطاولن أيتهُن أطول يدًا فقالت فكانت أطولنا يدًا زينَب لأنها كانت تعمل بيديْهَا وتصدِّق رواه البخاري ومسلم.
وقد أحسنت عائشة رضي اللّه عنها في الثناء عليها إذ قالت ولم أر امرأة قط خيراً في الدين منها وأتقَى لله وأصدق حديثاً وأوصل للرَّحم وأعظم صدقةً وأشد ابتذالاً لنفسِهَا في العمل الذي تتصدَّق به وتقرب به إلى اللّه تعالى.
ولقد بلغ حبُّهَا للعطاء أنها قالت حين حضرت الوفاة إني قد أعددت كفني فإن بعث لي عمر بكفن فتصدقوا بأحدهما وإن استطعتم إذ أدليتموني أن تصدقوا بإزاري فافعلوا.
وفاتها رضي اللّه عنها
فكانت حقّاً أول زوجاته صلى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّم لحوقاً به حيث توفيت سنة 20 للهجرة وقد جاوزت الخمسين عامًا وصلى عليها عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وصنع لها نعشٌ وكانت أول امرأة يُفعل معها ذلك ودُفنت بالبقيع. فرضي اللّه عنها وعن أمهات المؤمنين.

