التدبر في كتاب الله من صفات المتقين، حيث يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].

هذه هي المرة الثالثة التي أتناول فيها هذه الآية الكريمة التي تطبطب على قلوب الموحدين، ولا عجب في ذلك، فالقرآن لا يخلق على كثرة التكرار.

نزلت هذه الآية بعد غزوة أُحد، حين جُرح النبي صلى الله عليه وآله وسلم، واستشهد عدد من الصحابة الأبرار، وعانى المسلمون من مرارة الابتلاء. وفي تلك اللحظات التي امتلأت فيها القلوب بالألم، لم يتركهم ربهم لأحزانهم، بل مسح على قلوبهم بهذه الكلمات، فكانت بلسمًا للجراح ونورًا في ظلمة المحنة.

بدأت الآية بقوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾؛ أي لا تضعفوا ولا تستسلموا، فلا تدعوا المصائب تكسر عزائمكم. ثم قال: ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾؛ لأن الحزن إذا استولى على القلب أقعده عن العمل وأطفأ فيه روح الأمل.

ثم جاء الوعد الذي يبعث الحياة في النفوس: ﴿وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾.

وليس المقصود أن المؤمنين لا يُهزمون في معركة أو لا يُبتلون في الدنيا، وإنما العلو الحقيقي هو علو الإيمان والحق والمنهج. فقد يُغلب المؤمن في جولة لكنه لا يُغلب في قضيته، وقد يخسر شيئًا من الدنيا لكنه يربح رضا الله والدار الآخرة.

لذلك قيد الله هذا الوعد بقوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾؛ فالإيمان هو مصدر القوة وهو سبب الثبات الذي يرفع صاحبه فوق اليأس والهزيمة النفسية والانكسار الداخلي.

ما أحوج الأمة اليوم إلى هذه الآية! كم من قلبٍ أثقلته المصائب وكم من نفسٍ أرهقتها الفتن وكم من داعيةٍ ضاقت عليه السبل. يأتيه هذا النداء من السماء: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وكأن الله يربت على قلبه ويقول له: لا تجعل البلاء يهزم روحك، فإن مع الإيمان علوًّا لا يملكه أهل الباطل.

إنها ليست مجرد كلمات تُتلى بل هي دواء للقلوب المنكسرة ورسالة أمل لكل مؤمن ووعد رباني بأن العاقبة لأهل الإيمان.

نسأل الله أن يمسح بهذه الآية على قلوب أهلنا في غزة وأن يذهب بها همومنا وهمومهم وأن يرزقنا وإياهم قوة الإيمان وحسن الثبات حتى نلقاه وهو راضٍ عنا.