يقع معبد دير الحجر بين كثبان الصحراء الغربية، ليكون شاهدًا على تلاقي الفن المصري القديم مع النفوذ الروماني. يبعد المعبد حوالي 15 إلى 20 كيلومترًا عن قرية القصر، ونحو 47 كيلومترًا من مدينة موط، حيث يحتفظ بتخطيط ديني مستوحى من معابد الدولة الحديثة، ونقوش تؤرخ لتاريخ الأباطرة الرومان، مما يجعله واحدًا من أبرز مواقع السياحة الثقافية في الوادي الجديد.

قال الخبير الأثري بهجت أبو صديرة، مدير الآثار المصرية السابق بالوادي الجديد، في تصريحات خاصة لمصراوي، إن قصة معبد دير الحجر بدأت في النصف الثاني من القرن الأول الميلادي عندما شُيّد بأمر الإمبراطور نيرون بين عامي 54 و68 ميلادية.

وأوضح أن البناء أُقيم بالكامل من الحجر الرملي وخصص لعبادة ثالوث طيبة: آمون رع وموت وخنسو. وكان يُعرف قديمًا باسم “ست واح”، أي “مكان الطمأنينة والسكون المقدس”، بينما يرتبط اسمه الحالي بطبيعة مادته المعمارية التي يميزها الحجر الرملي عن المعابد الصحراوية الأخرى التي اعتمدت على الطوب اللبن.

بعد عهد نيرون، واصل الأباطرة الرومان زخرفة المعبد وتطوير عناصره؛ ففي عهد فيسباسيان بين عامي 69 و79 ميلادية، أضيفت زخارف للحرم، ثم أُنشئ الرواق الأمامي في عهد تيتوس بين عامي 79 و81، قبل أن يزين دوميتيان المداخل والبوابة خلال الفترة من 81 إلى 96 ميلادية.

وأكد أبو صديرة أن تخطيط معبد دير الحجر يحاكي في خطوطه العامة معابد الدولة الحديثة، خصوصًا عند المدخل حيث طريق الكباش وقاعدة تمثال آمون رع البرونزية التي كانت تُقدم عندها القرابين.

وأضاف: “كانت تُختار عادة مواقع العبادة على تخوم الاستقرار الزراعي، وهنا اكتسب المعبد وظيفة مزدوجة؛ قدسية المكان من جهة وتشجيع الاستيطان الزراعي من جهة أخرى”.

ويحيط بالمعبد سور من الطوب اللبن تبلغ أبعاده نحو 40 في 80 مترًا، فيما تبلغ مساحة القاعة الداخلية حوالي 7.3 في 16.2 مترًا.

تظهر الجداريات الإمبراطور تيتوس وهو يقدم “عين وجات” إلى ثالوث طيبة بينما يقدم فيسباسيان القرابين لآمون وموت، مما يعكس امتزاج العقيدة المحلية بخطاب الأباطرة الرومان واستمرار استخدام المكان حتى القرن الثالث الميلادي.

دفن طويل واكتشافات متلاحقة

قال الأثري محمد إبراهيم، مدير عام الآثار المصرية بالوادي الجديد، في تصريحات خاصة لمصراوي إن الرمال غمرت معبد دير الحجر تدريجيًا بعد توقف استخدامه وبقيت أجزاء منه ظاهرة جذبت الرحالة الأوروبيين.

وفي عام 1822 وصف أرشيبالد إدمونستون المعبد وسقفه القائم جزئيًا ثم رسم جون جاردنر ويلكنسون أول مخطط له عام 1825.

وفي عام 1874 أزاحت بعثة جيرهارد رولفس الرمال عن الحرم وكشفت نقوشًا فلكية وصورًا دينية بينما قدم هربرت وينلوك وصفًا شاملًا للموقع عام 1908.

ولا تزال نقوش يونانية على جدران الباحة تسجل زيارات رحالة القرن التاسع عشر كما تكشف بعض العلامات مستوى الرمال الذي أخفى كتل الحجر الرملي على مدى عقود طويلة.

ترميمات مصرية أعادت الحياة

في ستينيات القرن العشرين قاد الأثري أحمد فخري أعمال ترميم أمام الرواق. وخلال تسعينيات القرن الماضي جرى تنفيذ برنامج ترميم ضمن مشروع واحة الداخلة بالتعاون مع المجلس الأعلى للآثار.

شملت الأعمال تثبيت الكتل الحجرية ومعالجة طبقات الجص وتعزيز العناصر الحاملة وإعادة بناء أجزاء إنشائية بالإضافة إلى الكشف عن دعامة قارب داخل الحرم وبقايا خشب السنط وشظايا تيجان.

ساعدت هذه الاكتشافات في تقديم معلومات جديدة عن عمارة معبد دير الحجر وطرق استخدام الحجر الرملي بالإضافة إلى توثيق تأثير الأباطرة الرومان في المعابد المصرية خلال تلك الفترة.

جرى تزويد الموقع بالإضاءة الليلية وسلالم تساعد الزوار على الوصول إليه إلا أن متخصصين يرون أن السياحة الثقافية في المنطقة تحتاج إلى خدمات أفضل ولوحات تعريفية ومسارات زيارة أكثر وضوحًا.

يظل المعبد فرصة حقيقية لربط آثار واحة الداخلة ببرامج السياحة الثقافية في الصحراء الغربية خصوصًا مع ما يحمله من خراطيش الأباطرة الرومان وتفاصيل معمارية نادرة.

فالموقع ليس مجرد بناء صغير وسط الرمال بل سجل مفتوح من الحجر الرملي يروي كيف أعادت روما صياغة الميراث المصري وكيف صمد الأثر حتى عاد إلى خريطة السياحة الثقافية في واحة الداخلة.