“البحرية الإيرانية تقبع في قاع الخليج العربي. غير قادرة على القتال. مدمرة إلى حد كبير. محطمة. مهزومة… لم تعد موجودة”.. كان هذا ما انتهى إليه وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث بعد أقل من أسبوع على الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير 2026. ومع ذلك، استمرت طهران في عرقلة المرور الآمن لناقلات النفط وسفن الحاويات، وحتى سفن البحرية الأمريكية، عبر مضيق هرمز، مستفيدة من مجموعة من الأدوات منخفضة التكلفة نسبياً، مثل الزوارق السريعة والطائرات المسيرة والصواريخ المضادة للسفن والألغام البحرية.

وبحسب تقرير نشره موقع “ذا ناشيونال إنترست” الأمريكي المتخصص في الشؤون السياسية، فإن “قدرة إيران على إغلاق المضيق تكشف عن اتجاه عالمي متنامٍ؛ حيث شهد العقد الماضي العديد من الحالات التي تمكن فيها أطراف لا تمتلك أدوات تقليدية للقوة البحرية من إرباك قوات بحرية تتفوق عليها تقليدياً. فقد قيدت أوكرانيا بدرجة كبيرة حركة أسطول البحر الأسود الروسي في الأجزاء الغربية والوسطى من البحر الأسود. كما يعمل الحوثيون بشكل دوري على تعطيل حركة التجارة عبر مضيق باب المندب”.

التقرير كتبه المدير المشارك لمبادرة “الانخراط الأمريكي الجديد” في المجلس الأطلسي كريستوفر بريبلي، وماري-لويز فيسترمان الباحثة المشاركة في برنامج “إعادة تصور الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة” في مركز “ستيمسون”، وهو مؤسسة أبحاث أمريكية تأسست عام 1989 وتحمل اسم وزير الحربية والخارجية الأمريكي الأسبق هنري ستيمسون.

طهران تكشف خطأ الفرضية الأمريكية

يقول الكاتبان في تقريرهما بعنوان “ما الذي يمكن للبحرية الأمريكية أن تتعلمه من إيران؟”: إن الحرب ضد طهران أظهرت كيف يمكن لأطراف أضعف نسبياً أن تمارس نفوذاً على خصوم أكثر قوة، من خلال استغلال قدرات منخفضة التكلفة وبسيطة نسبياً لمنع الوصول وحرمان الخصم من حرية الحركة في مناطق العمليات القريبة من السواحل، مؤكدين أن هذا النمط يتحدى عقوداً من عقيدة البحرية الأمريكية وتخطيطها.

وأضافا: “منذ الحرب الباردة، اعتمدت واشنطن على فرضية أساسها أنه إذا نجحت وزارة الدفاع الأمريكية في تطوير قدراتها العسكرية لردع المنافسين من القوى الندية، فإنها ستكون قادرة بسهولة على التعامل مع النزاعات منخفضة الحدة ضد الدول الأقل قدرة”.

مضيق هرمز يروي قصة مختلفة

“لكن نفوذ إيران على المضيق يروي قصة مختلفة. فمن خلال قدرات منع الوصول وحرمان الخصم من حرية الحركة، إلى جانب الاستفادة من موقعها الجغرافي، حولت إيران حملة عسكرية كان متوقعاً أن تستمر أسبوعين أو ثلاثة أسابيع إلى حرب دخلت شهرها السادس. وبدلاً من ذلك، يشير طول أمد هذا الصراع غير المتوقع إلى أن تركيز البنتاجون على المنافسين من القوى الندية -أو شبه الندية- جاء على حساب الاستعداد للصراعات الأقل حدة” وفق التقرير.

ويربط الكاتبان هذا الخلل في التفكير العسكري الأمريكي بجذور تاريخية تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، وتحديداً إلى أفكار مؤسس الاستراتيجية العسكرية البحرية الأمريكية ألفرد ثاير ماهان الذي توفي عام 1914.

ماذا يقول إرث ماهان عن مفهوم القوة البحرية؟

في كتابه الشهير “تأثير القوة البحرية على التاريخ”، لم ينظر ماهان إلى القوة البحرية باعتبارها مجرد عدد السفن أو حجم الأسطول، بل ربطها أيضاً بالقوة الاقتصادية والتجارة البحرية التي تمكن الدولة من تمويل أسطولها والحفاظ عليه وتوسيعه.

وقد قاد هذا الفهم للقوة الاقتصادية الاستراتيجيين والأكاديميين والقادة العسكريين المعاصرين إلى اعتبار الأساطيل الكبيرة والمكلفة تجسيداً كافياً للقوة البحرية؛ لكن هذا التصور تطور بمرور الوقت إلى فهم أكثر ارتباطاً بحجم الأساطيل وقدرتها على فرض السيطرة على البحار وإسقاط القوة لمسافات بعيدة وفق “ذا ناشيونال إنترست”.

ويجادل بريبلي وفسترمان بأن هذا التعريف لم يعد كافياً في البيئة الاستراتيجية الحالية؛ لأن القوة البحرية يمكن أن تتجسد أيضاً في قدرة دولة ما على إلحاق الضرر بالاقتصاد البحري لخصمها حتى إذا كانت تفتقر إلى أسطول تقليدي كبير.

ماذا يمكن أن تتعلم واشنطن من التجربة الإيرانية؟

ويخلص بريبلي وفسترمان إلى أن تجربة إيران تكشف حاجة الولايات المتحدة لإعادة التفكير في مفهوم القوة البحرية. فحتى الدول التي تمتلك أساطيل أضعف يمكنها مستفيدةً من موقعها الجغرافي والأسلحة غير التقليدية تعطيل الملاحة وإطالة أمد الحرب وزيادة تكلفتها. لذلك يجب على المخططين الأمريكيين وضع هذه القدرات في حساباتهم عند الاستعداد لأي صراع.

ويضيف الكاتبان أن “القوة البحرية لا ينبغي أن تقاس فقط بقدرة الدولة على تمويل قواتها العسكرية بل أيضاً بقدرتها على إلحاق الضرر باقتصاد خصومها وتعطيل تجارتهم. وتبرز إيران مثلاً واضحاً لذلك بعدما استخدمت الزوارق السريعة والطائرات المسيرة والصواريخ المضادة للسفن والألغام البحرية لتهديد حركة الملاحة في المناطق القريبة من سواحلها.”.

ثغرات في البحرية الأمريكية

يقول التقرير إن تركيز واشنطن على الحروب عالية الحدة مقابل إهمال القدرات غير المتكافئة كشف عن ثغرات في الاستراتيجية البحرية الأمريكية يمكن للخصوم استغلالها وهو ما ظهر بوضوح خلال المواجهة مع إيران. فعلى الرغم من تدمير جزء كبير من قدراتها البحرية التقليدية تمكنت طهران من استخدام وسائل غير تقليدية لعرقلة الملاحة وفرض تحديات أمام قوة تمتلك واحداً من أكثر الأساطيل تطوراً تكنولوجياً في العالم.

ومع سعي إيران للحفاظ على نفوذها في مضيق هرمز ومحاولة واشنطن استعادة أفضلية تفاوضية يرى بريبلي وفسترمان أنه يجب على صانعي القرار والقادة العسكريين الأمريكيين استخلاص الدروس المستفادة من هذه المواجهة.

ويبدأ ذلك بحسب الكاتبين بإعادة النظر في مفهوم القوة البحرية بما يساعد واشنطن على تقييم قدرات خصومها بصورة أكثر واقعية وتجنب التقليل منهم بالإضافة لوضع تقديرات أكثر دقة للمدة والتكلفة المحتملتين لأي حرب مع خصم يبدو أضعف عسكرياً.