في الوقت الذي أصبحت فيه مستلزمات الإنتاج الزراعي أحد الملفات المرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي والقدرة على استقرار الإنتاج، يفتح مشروع بحثي مصري جديد ملف تقاوي البطاطس من زاوية مختلفة، لا تكتفي بالسؤال عن حجم إنتاج المحصول، وإنما تبدأ من الحلقة الأولى في العملية الزراعية: كيف يمكن إنتاج تقاوي مصرية عالية الجودة، خالية من الفيروسات، وأكثر قدرة على تحمل ظروف الملوحة؟
المشروع قدمته الباحثة رحمة ياسر السعيد أبو صالح، طالبة الدراسات العليا بكلية الزراعة بجامعة المنصورة، ضمن مسابقة «الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة 2026»، التي أقيمت بالتوازي مع المؤتمر العلمي «الابتكار الزراعي – من الفكرة إلى التطبيق»، تحت مظلة المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي»، ويضم الفريق البحثي الأستاذ الدكتور ممدوح محمد عبد المقصود، كلية الزراعة – جامعة المنصورة، والدكتورة إيمان محمد عبد المنعم، كلية الزراعة بنات – جامعة الأزهر.
حصل المشروع على المركز الأول مكرر على مستوى الجمهورية في فئة طلاب وخريجي كليات الزراعة، ليضع صاحبة المشروع وفريقها أمام اختبار أكبر من مجرد الفوز في مسابقة، وهو اختبار إمكانية تحويل البحث العلمي إلى منتج زراعي يمكن أن يجد طريقه إلى المزارع والسوق والاستثمار.
يحمل المشروع عنوان «تقييم الاختلاف الوراثي بين السلالات الجسدية من تقنية إنتاج الدرنات الدقيقة في البطاطس تحت ظروف الإجهاد الملحي»، وهو عنوان بحثي قد يبدو معقدًا في ظاهره، إلا أن فكرته الأساسية ترتبط بقضيتين واضحتين بالنسبة للاقتصاد الزراعي المصري: تقليل الاعتماد على تقاوي البطاطس المستوردة، وإنتاج مادة نباتية يمكنها التعامل بدرجة أفضل مع مشكلة الملوحة.
لماذا تبدأ المعركة من التقاوي؟
البطاطس ليست مجرد محصول خضر يزرع للاستهلاك المحلي، وإنما ترتبط بسلاسل إنتاج وتصنيع وتجارة وتصدير. ولذلك فإن أي مشكلة في مدخلات إنتاجها يمكن أن تنعكس على المزارع والتاجر والمصنع والمستهلك.
وتأتي التقاوي في مقدمة هذه المدخلات، لأن جودة التقاوي تمثل نقطة البداية في تحديد قدرة النبات على النمو والإنتاج ومقاومة المشكلات المرضية. وفي حالة البطاطس تحديدًا، تمثل الأمراض الفيروسية أحد التحديات التي تجعل إنتاج تقاوي سليمة صحيًا أمرًا بالغ الأهمية.
من هنا جاء السؤال الذي حاول الفريق البحثي الإجابة عنه: هل يمكن إنتاج تقاوي بطاطس محلية بجودة صحية ووراثية مناسبة، بدلًا من استمرار الاعتماد على مصادر خارجية لتوفير جزء من الاحتياجات؟
الإجابة التي يقدمها المشروع ليست مجرد فكرة نظرية، إذ انتقلت التجربة من المعمل إلى الصوبة ثم إلى الحقل. وهذا يمنحها أهمية خاصة؛ لأن الفارق كبير بين نجاح نبات داخل بيئة معملية محكمة وبين قدرته على الاستمرار والإنتاج في ظروف الزراعة الفعلية.
رحمة أبو صالح.. باحثة شابة أمام تحدي تحويل البحث إلى مشروع
تقود رحمة ياسر السعيد أبو صالح المشروع بالتعاون مع الأستاذ الدكتور ممدوح محمد عبد المقصود من كلية الزراعة بجامعة المنصورة والدكتورة إيمان محمد عبد المنعم من كلية الزراعة بنات بجامعة الأزهر.
يعكس تشكيل الفريق نموذجًا للتعاون بين الباحث الشاب وأعضاء هيئة التدريس. لكن أهمية التجربة تتجاوز هذا الجانب؛ لأنها تحاول نقل البحث من إطار الرسالة العلمية إلى نموذج قابل للتطبيق والاستثمار.
لم يتوقف المشروع عند إنتاج نباتات داخل المعمل؛ بل حاول بناء سلسلة إنتاج تبدأ بمادة نباتية سليمة ثم إكثارها وإنتاج الدرنات الدقيقة ونقلها إلى الصوبة وبعدها إلى الحقل وصولًا إلى مراحل لاحقة من إنتاج التقاوي.
ثلاثة أصناف.. والبداية من القمم المرستيمية
بدأ الفريق تجربته باستخدام ثلاثة أصناف من البطاطس هي Spunta وDiamont وCara، واعتمد على القمم المرستيمية بهدف الحصول على نباتات خالية من الفيروسات وإكثارها تحت ظروف معملية.
تكمن أهمية هذه المرحلة في أن إنتاج تقاوي سليمة يبدأ بالحصول على مادة نباتية ذات حالة صحية جيدة ثم إكثارها بطريقة تضمن الحفاظ على هذه الحالة قدر الإمكان.
الملوحة تدخل المعمل
تعد ملوحة التربة ومياه الري إحدى التحديات التي تواجه أجزاء من الأراضي الزراعية. ولذلك فإن اختيار نباتات أكثر قدرة على التعامل مع الإجهاد الملحي يمكن أن يفتح مستقبلًا الباب أمام استخدام أفضل لبعض الأراضي المتأثرة بهذه المشكلة.
من أنبوبة المعمل إلى الدرنات الدقيقة
بعد مرحلة الإكثار النباتي والاختبارات المعملية انتقل المشروع إلى إنتاج الدرنات الدقيقة Microtubers. وهذه المرحلة تمثل حلقة مهمة في منظومة إنتاج التقاوي لأنها تتيح الانتقال من نباتات زراعة الأنسجة إلى مادة يمكن استخدامها في مراحل الإكثار التالية.
الحقل هو الحكم الأخير
نجاح زراعة الأنسجة لا يعني تلقائيًا نجاح المشروع تجاريًا. هذه الحقيقة تبدو واضحة في حالة تقاوي البطاطس؛ لأن المزارع لا يهتم بالتقنية المستخدمة بقدر اهتمامه بما يحصل عليه في النهاية من إنتاج وجودة وتكلفة.
التكنولوجيا الجزيئية تبحث عن الأفضل
لم يتوقف الفريق عند التقييم الظاهري للنبات؛ بل استخدم تقنية ISSR ضمن التحليل الجزيئي لدراسة الاختلافات الوراثية بين المواد النباتية. وتكتسب هذه الخطوة أهمية في محاولة تحديد السلالات أو المواد الأكثر وعدًا خاصة أن قدرة النبات على إنتاج الدرنات الدقيقة تحت ظروف الملوحة لا ترتبط بعامل واحد وإنما تتأثر بالتركيب الوراثي للصنف وبالتفاعل بين الصنف ومستوى الإجهاد.
هل يمكن أن تقلل التقاوي المحلية فاتورة الاستيراد؟
السؤال الاقتصادي هو الأهم بالنسبة للدولة. فإنتاج تقاوي محلية بجودة مناسبة يمكن أن يفتح الباب أمام تقليل الاعتماد على الاستيراد ولكن حجم هذا الأثر لا يمكن تحديده قبل معرفة حجم الإنتاج الممكن وتكلفة التقاوي المحلية ومدى قدرتها على منافسة البدائل المستوردة.
الأراضي الملحية.. هل تصبح موردًا بدلًا من كونها مشكلة؟
الجانب الآخر من المشروع يفتح سؤالًا أكثر جرأة: هل يمكن أن تتحول بعض الأراضي التي تواجه تحديات الملوحة إلى مورد إنتاجي أفضل إذا تم استخدام مادة نباتية أكثر تحملًا؟ الإجابة لا تزال بحاجة إلى المزيد من الاختبارات. لكن إذا أثبتت النتائج في تجارب متعددة أن المادة النباتية المختارة تستطيع الحفاظ على إنتاجيتها تحت مستويات محددة من الملوحة فإن ذلك قد يضيف خيارًا جديدًا أمام خطط التوسع الزراعي.

