لم تعد مواجهة غش اللحوم قضية رقابية تقليدية تعتمد فقط على إرسال العينات إلى المعامل وانتظار نتائج التحاليل. فمع تطور التكنولوجيا الحيوية، بدأت تظهر حلول تستهدف نقل جزء من عملية الكشف إلى موقع المشكلة نفسها، بحيث يصبح المفتش أو المسؤول عن الرقابة قادرًا على الحصول على مؤشر سريع يساعده في تحديد العينات المشتبه بها.
وفي هذا السياق، برز داخل مسابقة «الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة 2026»، المقامة تحت مظلة المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي»، مشروع بحثي مصري لتطوير اختبار سريع للكشف عن غش اللحوم باستخدام الأجسام المضادة النانوية (Nanobodies)، في محاولة لتحويل تقنية بحثية متقدمة إلى أداة يمكن أن تخدم سلامة الغذاء والرقابة على الأسواق.
المشروع، الذي يحمل اسم «تطوير اختبار سريع للكشف عن غش اللحوم بالاعتماد على الأجسام المضادة النانوية – Rapid Meat Fraud Detection Test Using Nanobodies»، وصل إلى مرحلة النموذج الأولي، بينما يضع الفريق أمامه مراحل أخرى تبدأ بالتحقق الموسع من كفاءة الاختبار، مرورًا بالاعتماد والتسجيل، وصولًا إلى التصنيع والتسويق والاستثمار.
فريق من جامعة عين شمس يقود الابتكار
ويقود المشروع فريق بحثي برئاسة الدكتورة نور الهدى هاني محمد عيد سرور، مدرس بقسم الوراثة بكلية الزراعة جامعة عين شمس. ويضم الفريق الدكتور أحمد عاطف محمد بيومي، المستشار العلمي لشركة «جينو إيرا»، والدكتور أشرف بكري حسن عبده عبد الرازق، أستاذ قسم الوراثة بكلية الزراعة جامعة عين شمس، إلى جانب بسمة محمود أحمد خيري، مدير البحث والتطوير بشركة «جينو إيرا».
يجمع تشكيل الفريق بين الخبرة الأكاديمية والبحثية والخبرة المرتبطة بالبحث والتطوير داخل القطاع الخاص، وهو ما يمثل عنصرًا مهمًا في حالة انتقال المشروع من مرحلة البحث والنموذج الأولي إلى مرحلة تطوير منتج تجاري قابل للتصنيع على نطاق واسع.
غش اللحوم.. مشكلة تتجاوز المخالفة التجارية
ينطلق الابتكار من مشكلة غش اللحوم وعدم مطابقة النوع الحيواني الحقيقي للمنتج لما يتم الإعلان عنه أو تداوله. ولا تتوقف خطورة هذه الممارسات عند الجانب التجاري فقط، وإنما تمتد إلى قضايا سلامة الغذاء وصحة المستهلك، فضلًا عن الاعتبارات الدينية والأخلاقية المرتبطة بنوع اللحوم وتأثير الغش على ثقة المواطنين في المنتجات والأسواق.
وتزداد صعوبة المواجهة عندما تتطلب عملية التأكد من نوع اللحوم إرسال العينات إلى معامل متخصصة، وهو ما قد يستغرق وقتًا ويحتاج إلى تجهيزات وكوادر مدربة. ومن هنا جاءت الفكرة الأساسية للمشروع: تطوير اختبار صغير وسريع يمكن استخدامه ميدانيًا للحصول على مؤشر أولي عن نوع اللحوم خلال دقائق، قبل اللجوء إلى الاختبارات المعملية المرجعية في الحالات التي تحتاج إلى تأكيد.
الاختبار الجديد لا يلغي PCR وELISA
يشير ملف المشروع إلى أهمية الطرق المعملية التقليدية، وعلى رأسها PCR وELISA، في عمليات الفحص والتأكد من نوع اللحوم. لكن المشروع لا يستهدف إلغاء هذه الاختبارات أو الاستغناء عنها؛ بل يسعى إلى إضافة طبقة أولى من الفحص السريع (Screening) يمكن استخدامها ميدانيًا. وبذلك يمكن أن يؤدي الاختبار السريع دور أداة فرز أولية؛ فإذا ظهرت عينة مشتبه بها، يمكن إحالتها إلى المعمل لإجراء الاختبار المرجعي الأكثر دقة.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة المحتملة للمشروع: زيادة سرعة الفحص وتوسيع نطاق الرقابة بدلًا من التعامل مع كل عينة منذ البداية باعتبارها حالة تحتاج إلى تحليل معملي كامل.
كيف تعمل تقنية الأجسام المضادة النانوية؟
تعتمد الفكرة على تطوير شريط اختبار سريع باستخدام تقنية التدفق الجانبي (Lateral Flow Assay)، وهي التقنية التي تسمح بظهور نتيجة بصرية على شريط الاختبار دون الحاجة إلى أجهزة معملية معقدة. ويستند التصور العلمي للمشروع إلى استخدام أجسام مضادة نانوية مشتقة من الجمال تستهدف الألبومين المصلي النوعي للحيوان باعتباره مؤشرًا يمكن الاستفادة منه في التمييز بين الأنواع الحيوانية المختلفة.
وبحسب تصور الفريق، يتم توظيف الـNanobodies داخل شريط الاختبار بحيث تتفاعل مع المؤشر الحيوي المستهدف الموجود في عينة اللحوم وتظهر نتيجة بصرية يمكن قراءتها خلال دقائق. والهدف النهائي هو الوصول إلى اختبار يستطيع المستخدم التعامل معه في موقع الفحص دون الحاجة إلى تجهيز معمل كامل أو أجهزة تحليل معقدة.
لماذا الأجسام المضادة النانوية؟
تتميز تقنية Nanobodies بصغر حجم الأجسام المضادة النانوية وثباتها وقدرتها على الارتباط بأهداف حيوية محددة، بالإضافة إلى إمكانية إنتاجها باستخدام نظم ميكروبية قابلة للتوسع. وتكتسب هذه الخصائص أهمية خاصة عندما ينتقل المشروع من المختبر إلى السوق؛ لأن نجاح الاختبار لا يتوقف فقط على قدرته على إعطاء نتيجة صحيحة في ظروف التجربة ولكن يتطلب أيضًا إمكانية إنتاج المكون الحيوي بكميات كبيرة وبدرجة ثبات وتكلفة تسمحان بالتصنيع التجاري.
ماذا يمكن أن يقدم الاختبار لمصر؟
إذا نجح النموذج الأولي في اجتياز مراحل التحقق العلمي والتسجيل والاعتماد، فقد يفتح المشروع المجال أمام أداة جديدة مساعدة لمنظومة الرقابة على الأغذية. فوجود اختبار سريع يمكن أن يتيح فحص عدد أكبر من العينات في المجازر والأسواق ونقاط التفتيش وشركات تصنيع اللحوم ثم إحالة العينات المشتبه بها إلى معامل التحليل المرجعية. كما يمكن أن يساعد في دعم الرقابة على اللحوم المحلية والمستوردة بشرط استكمال الاختبارات العلمية والتنظيمية اللازمة واعتماد المنتج للاستخدام الرسمي.
المواطن هو المستفيد الأول
بالنسبة للمواطن، فإن قيمة المشروع المحتملة ترتبط بصورة مباشرة بسلامة الغذاء وثقة المستهلك. فكل وسيلة تساعد الجهات المختصة على اكتشاف المنتجات غير المطابقة بسرعة أكبر يمكن أن ترفع كفاءة الرقابة وتحمي المستهلك من دفع ثمن منتج لا يطابق حقيقته. كما أن معرفة النوع الحقيقي للحوم تحمل أهمية دينية وأخلاقية لدى قطاعات واسعة من المستهلكين مما يجعل تطوير أدوات الكشف عن الغش قضية تتجاوز الحسابات الاقتصادية لحماية حق المواطن في المعرفة والاختيار.
من الاختبار العلمي إلى فرصة استثمارية
المشروع لا يحمل قيمة علمية فقط وإنما يمتلك كذلك إمكانية التحول إلى منتج استثماري إذا استوفى المتطلبات الفنية والتنظيمية. فطبيعة شرائط الاختبار تعني أن كل عملية فحص تحتاج إلى وحدة اختبار جديدة مما يمكن أن يخلق نموذجًا لإيرادات متكررة في حالة اعتماد المنتج وتسويقه. وقد تشمل الأسواق المستهدفة مستقبلًا المجازر وشركات تصنيع اللحوم ومعامل الجودة وسلاسل التجزئة والمستوردين وشركات التفتيش وسلامة الغذاء والجهات الرقابية المختصة مما قد يمتد بالنموذج ليصل أيضًا أسواق الشركات B2B والمؤسسات الحكومية B2G بحسب طبيعة الاعتماد والاستخدام النهائي للمنتج.
النموذج الأولي ليس نهاية الطريق
رغم وصول المشروع إلى مرحلة النموذج الأولي إلا أن ذلك لا يعني أنه أصبح جاهزًا للاستخدام التجاري أو الرقابي بصورة مباشرة؛ فالمرحلة المقبلة تحتاج للإجابة عن أسئلة علمية وفنية واستثمارية حاسمة مثل: ما مدى حساسية الاختبار؟ وما مستوى دقته؟ وما أقل نسبة غش يمكن اكتشافها؟ وكيف يتعامل مع العينات المختلفة؟ وهل تتأثر النتائج باللحوم المجمدة أو المطهية أو المصنعة؟ وهل تؤثر التوابل والمواد الحافظة في كفاءة الاختبار؟ كما يجب تحديد العمر التخزيني للشريط وقدرته على تحمل ظروف النقل والتخزين ونسب النتائج الإيجابية والسلبية الخاطئة ومدى تطابق نتائجه مع الطرق المرجعية مثل PCR.
أما المستثمر فسيسأل بدوره عن تكلفة إنتاج الشريط وحجم السوق وسعر البيع والقدرة على الإنتاج بكميات كبيرة والاعتمادات المطلوبة والجهة التي ستتولى التصنيع والتوزيع.
وهذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان المشروع سينتقل من ابتكار بحثي واعد لمنتج تجاري قابل للاستمرار.

