استعرض مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء خلال لقاء مع الدكتور عمرو حسن، عضو المجموعة الاستشارية التابعة لمنظمة الصحة العالمية المعنية بقياس وفيات الأمهات، والمستشار السابق لوزير الصحة والسكان لشئون السكان وتنمية الأسرة، تطورات القضية السكانية في مصر ومعدلات النمو السكاني، بالإضافة إلى مفهوم الزخم السكاني والعلاقة بين النمو السكاني والنمو الاقتصادي. كما تم تناول تطورات معدلات الولادات القيصرية وأبرز العوامل المرتبطة بها، وأهمية توفير خدمات صحية تضمن الولادة الآمنة.

وأوضح الدكتور عمرو حسن أن مصر تحتل المرتبة الأولى عربيًا والثالثة إفريقيًا والـ 13 عالميًا حتى عام 2035، ومن المتوقع أن تحتل المرتبة الـ 11 عالميًا بحلول عام 2050. وأشار إلى أن انخفاض معدل الإنجاب لا يعني انخفاض عدد السكان بصورة فورية، بل يؤدي في البداية إلى تباطؤ معدلات الزيادة السكانية نتيجة ما يُعرف بالزخم السكاني. وشدد على ضرورة عدم الخلط بين انخفاض معدل الإنجاب وانخفاض عدد السكان؛ إذ إن تراجع معدل الإنجاب يؤدي في البداية إلى تباطؤ وتيرة الزيادة السكانية وليس إلى انخفاض فوري في إجمالي عدد السكان.

ضرب مثالًا لتوضيح هذه الفكرة، حيث شبه السكان بقطار يسير بسرعة كبيرة؛ فعندما يبدأ السائق في الضغط على المكابح لا يتوقف مباشرة، بل يبدأ في خفض سرعته تدريجيًا. وهذا ينطبق على الوضع السكاني؛ فمع انخفاض معدلات الإنجاب تتباطأ الزيادة السكانية تدريجيًا لكنها تستمر لفترة نتيجة التركيبة العمرية للسكان. كما أشار إلى وجود عامل آخر يفسر استمرار الزيادة السكانية يتمثل في دخول أعداد كبيرة من السكان إلى سن الزواج والإنجاب خلال السنوات المقبلة. موضحًا أن الفتاة التي وُلدت عام 2014 ستكون في سن الزواج والإنجاب خلال عامي 2035 و2036، مما يعني أن انخفاض معدلات الإنجاب اليوم لا يلغي أثر الأعداد الكبيرة التي سبق أن دخلت بالفعل في التركيبة السكانية.

وفي هذا السياق، أوضح د. عمرو حسن مفهوم “الزخم السكاني” مؤكدًا أنه يعني استمرار زيادة عدد السكان حتى مع انخفاض الخصوبة طالما ظل عدد المواليد أكبر من عدد الوفيات. وشبه ذلك ببذور تنمو لتصبح شجرة تستمر في إخراج فروع جديدة؛ حيث إن الحد من زراعة أشجار جديدة لا يعني توقف الشجرة القائمة عن النمو بصورة فورية. وأكد أن المؤشرات السكانية في مصر تعكس تحسنًا تدريجيًا مع انخفاض معدلات المواليد ومعدلات الزيادة الطبيعية سنويًا، إلا أن الأرقام لا تزال تتطلب مزيدًا من العمل. مشيرًا إلى أن الوصول إلى مرحلة استقرار عدد السكان يرتبط بالوصول إلى معدل الإحلال الذي يتساوى عنده عدد المواليد مع عدد الوفيات.

وشدد على أن القضية السكانية لا يمكن فصلها عن الأداء الاقتصادي، موضحًا أنها تتعلق بتحقيق توازن بين معدل النمو السكاني ومعدل النمو الاقتصادي؛ فكلما انخفض معدل النمو السكاني وارتفع معدل النمو الاقتصادي أصبح المواطن أكثر قدرة على الشعور بثمار التنمية والمشروعات التي تنفذها الدولة. وأكد أن مصر بدأت بالفعل في جني ثمار الجهود المبذولة في الملف السكاني، إلا أن هذه النتائج لا تمثل الحصاد الكامل بعد، مشيرًا إلى أن الإحساس بصورة أكبر بآثار التحسن السكاني سيتحقق مع استمرار انخفاض معدلات النمو السكاني بالتوازي مع زيادة معدلات النمو الاقتصادي.

وأوضح أن هذه الجهود تأتي في إطار الالتزام الدستوري؛ حيث نصت المادة 41 من دستور عام 2014 على التزام الدولة بتنفيذ برنامج سكاني يهدف إلى تحقيق التوازن بين معدلات النمو السكاني والموارد المتاحة وتعظيم الاستثمار في الطاقة البشرية وتحسين خصائصها ضمن إطار تحقيق التنمية المستدامة.

وأشار إلى أن القضية السكانية في مصر ليست مجرد “عدد السكان” فقط، بل هي قضية متعددة الأبعاد يمكن تلخيصها في أربعة عناصر هي: الكم والكيف والتكدس والتباين. حيث يتعلق “الكم” بأعداد السكان ومعدلات الزيادة التي قد تتجاوز الإمكانات المتاحة، بينما يرتبط “الكيف” بخصائص المواطن من حيث الصحة والتعليم والمهارات الحياتية وقدرته على العمل والمنافسة. فيما يشير “التكدس” إلى زيادة أعداد السكان في مساحات محدودة ويعكس “التباين” الاختلافات في المؤشرات التنموية بين المحافظات. وأكد أنه يجب ألا يقتصر الهدف من التعامل مع القضية السكانية على خفض العدد فقط، بل يجب أن يمتد لتحسين خصائص المواطن المصري من حيث الصحة والتعليم والمهارات والقدرة على المشاركة والإنتاج بما يعظم الاستفادة من الثروة البشرية لدعم مسيرة التنمية.

وفيما يتعلق بارتفاع معدلات الولادات القيصرية في مصر، أوضح د. عمرو حسن أن نسبة الولادات القيصرية ارتفعت من نحو 10% عام 2000 إلى 28% عام 2008 ثم إلى 52% عام 2014 وصولاً إلى 72% عام 2021 مما يعكس زيادة كبيرة في معدلات اللجوء للولادة القيصرية خلال أكثر من عقدين. وتؤكد نتائج المسح الصحي للأسرة المصرية هذه الزيادة إذ ارتفعت النسبة من 52% عام 2014 إلى 72% عام 2021.

وأوضح أن ارتفاع معدلات الولادة القيصرية يرتبط بمجموعة من العوامل منها تغير بعض المفاهيم المجتمعية تجاه الولادة واعتقاد البعض بأنها أكثر سهولة أو أماناً وإمكانية اختيار موعد الولادة بالإضافة للخوف من آلام الولادة الطبيعية وضعف الدعم النفسي للمرأة. كما أضاف أن بعض العوامل الصحية ونمط الحياة يمكن أيضًا أن تسهم في ارتفاع احتمالات اللجوء للولادة القيصرية مثل قلة ممارسة الرياضة وضعف عضلات البطن والحوض وارتفاع معدلات السمنة وما قد يصاحبها من مضاعفات خلال الحمل مثل ارتفاع ضغط الدم وسكري الحمل مؤكداً أنه لا يمكن إرجاع الظاهرة لسبب واحد.

وشدد على أهمية تحسين جودة الخدمات الصحية المقدمة للمرأة بما يضمن توافر الفريق الطبي اللازم للولادة بما يشمل أطباء النساء والتخدير والأطفال بالإضافة لتوفير وسائل تخفيف الألم وعلى رأسها التخدير فوق الجافية مما يساعد على تقليل الخوف من الولادة الطبيعية.

وأشار أيضًا إلى أن ارتفاع معدلات الولادات القيصرية لفترات طويلة قد ينعكس كذلك على خبرات وتدريب الأطباء حديثي التخرج نتيجة انخفاض فرص ممارسة الولادة الطبيعية مما يستدعي الاهتمام بالتدريب الطبي ورفع كفاءة الفرق الطبية للتعامل مع حالات الولادة الطبيعية بصورة آمنة. وأكد ضرورة التعامل مع الولادة القيصرية ليس بناءً على المفاضلة بين الولادة الطبيعية والقيصرية وإنما لتحقيق مفهوم “الولادة الآمنة” بحيث تخرج الأم والطفل بصحة جيدة ودون مضاعفات قصيرة أو طويلة المدى موضحاً بأن الولادة القيصرية تظل خياراً طبيًا مهمًا عندما تستدعي الحالة ذلك مع تشجيع الولادة الطبيعية عندما لا توجد ضرورة طبية للقيصرية.

ويأتي ذلك ضمن جهود مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار لتقديم محتوى معرفي وتوعوي عبر منصاته الرقمية يتناول القضايا ذات الصلة المباشرة بحياة المواطنين ومستقبل التنمية والاستعانة بالخبراء والمتخصصين لتبسيط المفاهيم والقضايا المعقدة وإتاحتها للجمهور بشكل موثوق وسهل الوصول.