مراجعات.

الأربعاء 08/يوليو/2026 – 01:08 ص 7/8/2026 1:08:46 AM .

رغم الضغوط الهائلة التي مارستها الولايات المتحدة لثني عدد من دول العالم عن المشاركة في مراسم تشييع جنازة علي خامنئي، المرشد الإيراني الراحل، إلا أن الحضور الرسمي والشعبي كان مهيبًا وأكبر مما توقعته واشنطن.
لم يكن حجم المشاركة فقط هو الأمر اللافت، بل الطريقة التي أدارت بها طهران مراسم التشييع، من خلال ما يمكن وصفه بـ”دبلوماسية الآيات”، وهي مقاربة بروتوكولية غير مألوفة، لتبدو وكأنها جزء من خطاب سياسي تمت صياغته بلغة القرآن.
لقد كان اختيار الآيات وتوقيت تلاوتها أمام كل وفد مشارك يوحي بأن الأمر مقصود، لتوظيف البُعد الديني في توجيه رسائل سياسية استثنائية ورمزية إلى المنطقة والعالم، وتحويل مراسم التشييع من حدث جنائزي إلى تعزيز السردية الإيرانية وإيصال مضامينها إلى الداخل والخارج.
لذلك لم تعد الجنازات الكبرى مجرد مراسم وداع عابرة، بل استفتاءات متأخرة ولحظات نادرة تنطق فيها الشعوب بما قد تعجز عنه صناديق الاقتراع أو حتى استطلاعات الرأي. وبالتالي حين يرحل قائد، يتجسد المشهد الحقيقي في الوجوه التي تسير خلف نعشه وفي الحشود المليونية التي تملأ الشوارع أو في المشاعر التي لا تستطيع أجهزة الإعلام الرسمية أو مؤسسات الدولة أن تفرضها أو تصطنعها.
في علم السياسة تُقاس قوة الأنظمة بما تملكه من شرعية اجتماعية وقدرة على تعزيز الانتماء الوطني والتلاحم الشعبي والولاء الطوعي. لأن القوة الصلبة قد تحرس السلطة لسنوات أو حتى عقود، لكنها لا تستطيع أن تملأ الساحات يوم الوداع أو أن تصنع دموعًا صادقة أو الدفع بعشرات الملايين للمشاركة في مشهد تاريخي غير مسبوق.
وبعيدًا عن المواقف المؤيدة أو المعارضة للمرشد الإيراني الراحل، فإن مراسم التشييع المُعدة بعناية فائقة على مدار أكثر من أربعة أشهر واستمرت لعدة أيام تجاوزت حدود الزمان والمكان. كما تخطت التفاصيل البروتوكولية وكشفت الفارق بين السلطة التي تستثمر في الإنسان وتلك التي تكتفي بالاستثمار في أدوات السيطرة.
نتصور أن القادة أو الحكام الذين يظنون أنهم يستطيعون شراء الشعبية أو فرضها بالقوة يسيئون قراءة التاريخ. فالرصيد الحقيقي يكمن في ضمائر الناس وما يُزرع طوال سنوات الحكم يُحصد في لحظة الرحيل. وقد ثبت تاريخيًا أن “الامتحان الأخير” لأي قائد هو أكثر المشاهد صدقًا لانتفاء المصلحة والرياء أو الخوف والقهر، ولا يبقى إلا ما استقر في وجدان الناس.
أخيرًا.. إن قراءة التاريخ قد تختلف في تقييم السياسات لكن الشعوب نادرًا ما تخطئ في التعبير عن مشاعرها. ولذلك تتعرى كل الروايات وتسقط جميع الحسابات وتتراجع كافة المصالح في لحظات الوداع ولا يبقى إلا الأثر الذي خلفه القائد في ضمير الشعب الذي يمتلك وحده فقط منح صكوك المحبة الصادقة ورسم معالم “الامتحان الأخير”.
فصل الخطاب:
يقول الرئيس السادس للولايات المتحدة “جون كوينسي آدامز”: “القوة قد تُخضع الناس لكنها لا تكسب قلوبهم.. فإن كانت أفعالك تُلهم الآخرين ليحلموا أكثر ويتعلموا أكثر ويفعلوا أكثر فأنت قائد”.

[email protected].