«قارنوا الوضع الذي كانت فيه مصر قبل 12 عامًا والوضع الحالي».. بهذه الكلمات خاطب الدكتور مصطفى مدبولي المواطنين، وكأنه يدعوهم لاسترجاع صورة مصر في عام 2014 ومقارنتها بمصر في عام 2026 ليدركوا حجم الإنجازات التي تحققت.

لكن، يا سيادة رئيس الوزراء، سنقوم بالمقارنة، ولكن ليس من على المنصة أو عبر عدد المشاريع والكباري والمدن الجديدة، بل من المكان الذي لا يمكن فيه للمواطن أن يجامل أحدًا: من راتبه، ومن محتويات ثلاجته، ومن فاتورة منزله، ومن تكاليف مواصلاته، ومن الشقة التي يحلم بشرائها لأبنائه.

في عام 2014 كان الحد الأدنى للأجور 1200 جنيه، وكان الدولار يتداول حول 7 جنيهات تقريبًا. اليوم أصبح الحد الأدنى للأجور للعاملين بالدولة 8000 جنيه بينما تجاوز الدولار حاجز 50 جنيهًا. قد يبدو الرقم الأول دليلاً على زيادة كبيرة في الدخول، لكن المواطن لا يعيش براتبه وحده، بل بما يستطيع هذا الراتب أن يوفره له.

خذوا أبسط مثال: سندوتش الفول والطعمية، الوجبة الشعبية التي كانت لعقود رمزًا للوجبة الرخيصة. كان السندوتش في عام 2014 يُباع بجنيه أو جنيهين في أماكن كثيرة، بينما أصبح اليوم يتراوح بين 15 و25 جنيهًا بحسب المكان ونوع السندوتش ومكوناته. أي أن الوجبة التي كانت من أرخص ما يمكن أن يشتريه المواطن أصبحت اليوم بندًا في ميزانية الأسرة.

لننظر إلى المترو. في عام 2014 كانت التذكرة بجنيه واحد. اليوم تبدأ من 10 جنيهات وتصل إلى 20 جنيهًا بحسب عدد المحطات. أي أن الرحلة التي كانت تكلف جنيهًا أصبحت تصل حتى عشرين جنيهًا. وإذا كان الموظف يستخدم المترو ذهابًا وإيابًا يوميًا في رحلة طويلة، فإنه يدفع نحو ألف جنيه شهريًا على المترو وحده قبل أن يدفع أي شيء آخر.

هذا ليس كل شيء؛ فقد ارتفعت أسعار المواصلات في جميع وسائل النقل العامة والخاصة مع ارتفاع أسعار الوقود. والمواطن يتحمل هذه الزيادة مرتين: مرة في تذكرة المواصلات ومرة أخرى داخل أسعار الطعام والملابس وكل سلعة تحتاج إلى نقل.

أما بالنسبة للسكن، فالمقارنة هنا أكثر قسوة. ففي عام 2014 كانت شقة الإسكان الاجتماعي بمساحة 90 مترًا تُطرح بنحو 135 ألف جنيه. أما اليوم فقد وصلت أسعار وحدات الإسكان الاجتماعي في بعض الطروحات الحديثة إلى نحو 900 ألف جنيه. أي أننا انتقلنا من 135 ألف جنيه إلى 900 ألف جنيه لوحدات موجهة أساسًا لمحدودي ومتوسطي الدخل.

والأهم هو علاقة هذه الأرقام بالدخل. ففي عام 2014 كان الحد الأدنى للأجور يبلغ 1200 جنيه بينما أصبح اليوم 8000 جنيه. الشقة التي كانت تساوي نحو 112 ضعف الحد الأدنى للأجر أصبحت تعادل نفس النسبة تقريباً في بعض الطروحات الحديثة.

لكن هذه المقارنة وحدها ليست كافية؛ لأن المواطن لا ينفق راتبه كله على السكن؛ عليه أن يأكل ويتنقل ويدفع فواتير الكهرباء والمياه والتعليم والعلاج. ومع تضخم كل هذه البنود تصبح قدرة الأسرة على تدبير مقدم الشقة والقسط أصعب بكثير. وهكذا تحولت الشقة من بداية طبيعية للحياة إلى مشروع مالي طويل الأجل وأصبح الزواج مؤجلًا لدى كثير من الشباب حتى يجدوا إجابة عن سؤال السكن.

ثم نأتي إلى الوظائف؛ إذا كانت الدولة قد وفرت ملايين فرص العمل فهذا أمر مهم ولكن المواطن يحتاج لوظيفة تتيح له الاستقلال عن أسرته ودفع الإيجار أو القسط وتحمل تكاليف المواصلات والطعام والزواج وتكوين أسرة.

لا أحد يقلل من قيمة العمل الشريف سواء كان في مصنع أو شركة أو توصيل طلبات أو قيادة مركبة؛ لكن السؤال الاقتصادي الحقيقي ليس فقط: كم وظيفة وفرنا؟ وإنما: كم وظيفة منها تكفي صاحبها ليعيش حياة مستقرة؟ الشاب الذي ينتقل من البطالة إلى وظيفة لا تكفيه تكاليف الحياة لم يصل بعد إلى الاستقرار؛ هو فقط انتقل من البحث عن وظيفة إلى البحث عن وظيفة أفضل.

والتعليم له حكايته والعلاج له حكايته أيضًا؛ كل منهما أصبح يلتهم جزءًا أكبر من دخل الأسرة. الأب لا يدفع مصروفات المدرسة أو الجامعة فقط بل أيضًا الكتب والمواصلات والدروس والأجهزة والإنترنت، والمريض لا يدفع ثمن الكشف فقط بل أيضًا التحاليل والأشعة والدواء وقد تتحول إصابة شخص واحد في الأسرة إلى أزمة مالية للجميع.

ثم هناك شيء لا يظهر في جداول الأسعار لكنه يظهر بشكل واضح في حياة الناس: جودة الحياة نفسها. لقد فقدت القاهرة خلال السنوات الماضية مساحات خضراء واسعة وتراجعت الحدائق والأماكن العامة التي كانت تمنح الأسر متنفساً بسيطاً.

تشير التقديرات إلى أن القاهرة فقدت نحو 32 كيلومترًا مربعًا من المساحات الخضراء بينما أصبح نصيب الفرد منها أقل بكثير مما يضمن حياة حضرية صحية. وهنا نحن لا نتحدث عن شجرة أو حديقة فقط بل عن حق الإنسان في العيش داخل مدينة قابلة للحياة.

ماذا يفعل المواطن عندما تصبح المواصلات والطعام والترفيه أغلى والمساحات العامة أقل والحدائق تتراجع؟ يبقى داخل بيته ويصبح تدريجيًا سجيناً بلا قضبان؛ يذهب من البيت للعمل ومن العمل للبيت لأن كل خروج إضافي يكلفه شيئاً وكل متنفس أصبح له سعر وكل مساحة مجانية تضيق يومًا بعد يوم. وهذه أيضًا مقارنة يا سيادة رئيس الوزراء.

لا تقارنوا فقط عدد الطرق المبنية وإنما قارنوا قدرة المواطن على استخدام هذه الطرق؛ ولا تقارنوا وسائل النقل فقط وإنما قارنوا سعر التذكرة بدخل المواطن؛ ولا تقارنوا حجم المدن فقط وإنما اسألوا: أين يذهب المواطن بأطفاله؟ وأين يجلس؟ وأين يمشي؟ وأين يجد مساحة خضراء مجانية يتنفس فيها؟

وفي ملف نزع الملكية، لا أحد ينكر حق الدولة في إقامة مشروعات المنفعة العامة وفق القانون ولكن المواطن الذي تُنزع ملكيته لا يرى الأمر كخط على خريطة بل يرى بيته ومحل رزقه وأرضه وذكرياته. لذلك يجب ألا يكفي السؤال: هل حصل على تعويض؟ بل يجب أن نسأل: هل يستطيع بهذا التعويض شراء بديل مماثل؟

والسؤال نفسه يجب طرحه على المشروعات الكبرى: كم كلفت وما العائد الذي حققته؟ وهل كان يمكن تنفيذها بتكلفة أقل؟ وهل تحققت دراسة الجدوى؟ وإذا لم يتحقق العائد المتوقع فمن يتحمل المسؤولية؟

هذه ليست أسئلة عدائية بل هي أبسط قواعد الرقابة على المال العام؛ لأن الدولة عندما تتخذ قرارا اقتصاديا فإن المواطن يواجه نتائجه بشكل مباشر في سعر السلعة وقيمة التذكرة وتكلفة السكن وفواتير التعليم والعلاج.

يا سيادة رئيس الوزراء، لا أحد يقول إن مصر لم تتغير؛ فهي فعلاً تغيرت وهناك مشروعات ضخمة وإنجازات حقيقية لا يمكن إنكارها ولكن حياة المواطن أيضًا تغيرت. ولذلك عندما تقولون له: «قارنوا»، دعوه يقارن بنفسه.

دع الأب يقارن راتبه بسعر الشقة ودع الموظف يقارن تذكرة المترو بأجره ودع الأسرة تقارن سعر سندوتش الفول والطعمية بما كانت تدفعه سابقاً وما تدفعه الآن ودع الشاب يقارن راتبه بتكاليف الزواج والسكن ودع المواطن يقارن مساحة المدينة التي يعيش فيها بمساحة المساحات الخضراء التي يستطيع الوصول إليها; هذه هي المقارنة الحقيقية.

يا سيادة رئيس الوزراء.. قلت للمصريين: «قارنوا». فقارنّا! لم نقارن عدد الكباري بعدد الكباري ولا عدد المشروعات بعدد المشروعات; قارنّا المواطن نفسه وقارنا دخله بما يشتريه ومدخراته بسعر الشقة وراتبه بتكاليف المواصلات وشهادة ابنه بفرص العمل وقدرته على الخروج من بيته بتكاليف الحياة خارجه.

والنتيجة ليست أنه لم يحدث تغيير بمصر وإنما فاتورة التغيير وصلت للمواطن أيضًا; فهو لا يقيس نجاح الاقتصاد بعدد الأصفار التي زادت براتبه وإنما بعدد الاحتياجات التي أصبح قادرًا على تحملها.
فإذا ارتفع راتبه من 1200 إلى 8000 جنيه بينما أصبحت تذكرة المترو التي كانت بجنيه تصل إلى 20 جنيهاً وشقة الإسكان الاجتماعي التي بدأت بـ135 ألف جنيهاً تقترب الآن من 900 ألف جنيهاً وسندوتش الفول والطعمية الذي كان وجبة رخيصة أصبح يُحسب بالعشرات والمساحات الخضراء نفسها تتراجع; فهذه أرقام تقول شيئاً يحتاج لتفسير.
مدبولي قال: قارنوا.. فقارنّا! والسؤال الذي يبقى بعد كل هذه الأرقام ليس ماذا بنت الدولة فقط وإنما: ماذا بقي للمواطن بعد دفع ثمن كل ذلك؟