كشفت أعمال الحفائر الأثرية التي شهدها موقع كوم الخلجان بمحافظة الدقهلية عن مجموعة من الاكتشافات المهمة التي تلقي الضوء على تاريخ الاستيطان البشري في منطقة شرق الدلتا، بدءًا من عصور ما قبل الأسرات وصولًا إلى العصر البطلمي.

أسرار جديدة تكشفها حفائر «كوم الخلجان» بالدقهلية

وشملت نتائج موسم الحفائر 2025/2026 الكشف عن جبانة أثرية تضم دفنات تعود إلى النصف الأول من الألف الرابع قبل الميلاد، فضلًا عن مناطق سكنية ومقابر ترجع إلى عصر الانتقال الثاني وبدايات الدولة الحديثة، إلى جانب عدد من اللقى الأثرية التي تكشف تفاصيل من الحياة اليومية لسكان المنطقة عبر عصور مختلفة.

جعران أثري قد يكشف اسم ملك لم يكن معروفًا من قبل

وقال السيد فتحي الطلحاوي، مدير عام آثار الدقهلية ودمياط والمشرف على حفائر موقع كوم الخلجان، إن أعمال الموسم الأخير أسفرت عن العثور على جعران أثري يحمل اسمًا ملكيًا تشير القراءة الأولية إلى أنه غير معروف من قبل.

وأوضح أن القطعة الأثرية تخضع حاليًا لأعمال الفحص والتوثيق والدراسة والمقارنة مع المصادر والنقوش المعروفة، مشيرًا إلى أن نتائج الدراسة النهائية هي التي ستحدد هوية صاحب الاسم الملكي والفترة التي ينتمي إليها.

وأشار إلى أن ثبوت صحة القراءة قد يمثل أهمية كبيرة في دراسة التسلسل التاريخي لملوك مصر القديمة، كما يمكن أن يضيف معلومات جديدة إلى تاريخ منطقة شرق الدلتا، إلا أن النتائج الحالية لا تزال في إطار الدراسة العلمية.

جبانة تعود إلى أكثر من 4 آلاف عام قبل الميلاد

ومن أبرز ما كشفت عنه الحفائر أيضًا جبانة ترجع إلى حضارة مصر السفلى وبوتو الأولى والثانية، والتي تؤرخ إلى النصف الأول من الألف الرابع قبل الميلاد. وضمت الجبانة مجموعة من المقابر البسيطة التي حُفرت داخل طبقة الجزيرة الرملية، وعُثر بداخلها على دفنات اتخذت أوضاعًا واتجاهات مختلفة، كان من بينها الدفن في وضع القرفصاء أو الوضع المثني. ولم يكن الأثاث الجنائزي داخل معظم المقابر كبيرًا، حيث اقتصرت المكتشفات غالبًا على أوانٍ فخارية صغيرة مصنوعة يدويًا، إلى جانب بعض المحارات البحرية.

وأكد الدكتور السيد الطلحاوي أن المنطقة تمثل مؤشرًا على وجود تجمع سكاني مستقر ونشط خلال تلك المرحلة المبكرة من تاريخ الدلتا.

مبانٍ وصوامع وأفران تكشف الحياة في عصر الهكسوس

وأشار إلى أن الاكتشافات امتدت إلى عصر الانتقال الثاني، حيث كشفت أعمال التنقيب عن منطقة سكنية ومقابر تعود إلى الفترة التي شهدت حكم الهكسوس وتمتد إلى بدايات الدولة الحديثة. وعثرت البعثة على بقايا مبانٍ شُيدت بالطوب اللبن، بالإضافة إلى صوامع كانت تستخدم في تخزين الحبوب والغلال، بالإضافة إلى أفران دائرية ومواقد ظهرت داخل الوحدات السكنية والأفنية.

وتقدم هذه العناصر صورة عن طبيعة الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية التي مارسها سكان الموقع في تلك الفترة. كما كشفت الحفائر عن جدران ذات تصميم متعرج أو زجزاجي كانت تحيط ببعض المنشآت السكنية والجنائزية، وهي من العناصر المعمارية المعروفة أثريًا باسم “جدران جيبية” والتي ظهرت منذ الدولة الوسطى واستمرت خلال عصور لاحقة.

مقابر من الأسرة الخامسة عشرة حتى بدايات الدولة الحديثة

وأوضح أنه من بين النتائج المهمة الكشف عن مجموعة من المقابر التي يرجع أقدمها إلى الأسرة الخامسة عشرة واستمر استخدامها خلال الأسرة السابعة عشرة وحتى بدايات الدولة الحديثة. وأشار إلى أن هذه المقابر تكتسب أهمية خاصة في دراسة فترة استيطان الهكسوس في شرق الدلتا، خاصة مع الموقع الجغرافي لمنطقة كوم الخلجان وقربها من منطقة أواريس التي ارتبطت بعاصمة الهكسوس القديمة.

وتنوعت أشكال المقابر المكتشفة حيث ظهرت نماذج تشبه المصاطب تتكون من جزء علوي فوق سطح الأرض وآخر سفلي مخصص للدفن، بالإضافة لمقابر ذات طراز الكورنيش. كما أظهرت الدفنات اختلافًا في أوضاعها واتجاهاتها مما يعكس تنوع بعض العادات والممارسات الجنائزية التي اتبعت خلال تلك الفترة.

حلي وجعارين وأسلحة برونزية داخل المقابر

وعثرت البعثة داخل عدد من المقابر على مجموعة متنوعة من الأثاث الجنائزي تضمنت الحلي والتمائم والجعارين وبعضها مصنوع من الأحجار شبه الكريمة. كما ضمت المكتشفات أدوات وأسلحة مصنوعة من البرونز، بالإضافة إلى أوانٍ فخارية وقنينات تحمل سمات طراز “تل اليهودية” الفخاري الذي يعد أحد الطرز المرتبطة بعصر الانتقال الثاني. وتساعد هذه المكتشفات في التعرف على طبيعة المعتقدات والممارسات الجنائزية وكذلك المستوى المعيشي والاقتصادي لسكان المنطقة خلال تلك الحقبة.

مقبرة من الأسرة الثامنة عشرة

وكشفت الحفائر كذلك عن مقبرة مبنية بالطوب اللبن ترجع إلى بدايات الدولة الحديثة وتحديدًا للأسرة الثامنة عشرة. وعثر داخل المقبرة على مجموعة متنوعة من الأواني والأطباق والقنينات الفخارية مختلفة الأحجام، بالإضافة لأدوات مصنوعة من البرونز. كما كشفت أعمال التنقيب عن بقايا مبنى من الطوب اللبن ذي جدران سميكة وظهرت على أرضيته مجموعة من كسرات الفخار التي تساعد في تأريخه لبداية الدولة الحديثة فضلًا عن أدوات حجرية متعددة الاستخدامات مثل المصاحن وشفرات الظران.

عظام الأسماك والطيور تكشف طبيعة النظام الغذائي

ولم تتوقف نتائج الحفائر عند المقابر والمنشآت المعمارية إذ عثرت البعثة على عدد كبير من اللقى التي ترتبط بالحياة اليومية. وشملت المكتشفات أواني فخارية وأدوات حجرية مختلفة الاستخدامات بالإضافة لكميات من عظام الأسماك والطيور والحيوانات. ويمكن أن تساعد هذه البقايا في إجراء دراسات حول الأنشطة الاقتصادية التي مارسها سكان الموقع وكذلك التعرف على طبيعة نظامهم الغذائي وبعض جوانب حياتهم الاجتماعية.

دفنة طفل داخل أمفورتين تعود للعصر البطلمي

وامتدت الشواهد الأثرية المكتشفة في كوم الخلجان للعصر البطلمي حيث عثرت البعثة على عدد من حفر الدفن المستطيلة التي قطعت داخل طبقات استيطانية أقدم. ووُضعت الدفنات في وضع الاستلقاء على الظهر مع توجيه الرأس ناحية الشرق. ومن بين الاكتشافات اللافتة دفنة لطفل وُضعت داخل أمفورتين من طراز AE1 أعيد استخدامهما لهذا الغرض. ويعد استخدام الأمفورات في دفن الأطفال أحد الأساليب المعروفة خلال تلك الفترة حيث كانت الأوعية توفر مساحة تتناسب مع حجم جسد الطفل قبل إعادة إغلاقها عقب إتمام عملية الدفن.

«كوم الخلجان» يكشف تسلسلًا تاريخيًا متكاملًا

وأكد السيد فتحي الطلحاوي أن أهمية نتائج موسم الحفائر لا ترتبط فقط بعدد القطع الأثرية أو المقابر المكتشفة وإنما بما توفره هذه النتائج أيضًا لصورة متكاملة حول تطور الاستيطان البشري في شرق الدلتا عبر آلاف السنين. ووضح أن الموقع يقدم شواهد متتابعة توضح تطور أنماط السكن والعمارة والعادات الجنائزية بالإضافة للأنشطة الاقتصادية والحياة اليومية للسكان عبر عصور مختلفة.

وأشار الطلحاوي إلى أن استمرار أعمال التنقيب والدراسة بالموقع قد يكشف خلال المواسم المقبلة عن شواهد أثرية جديدة تساعد الباحثين على فهم جانب مهم جدًا لتاريخ شرق الدلتا والحضارة المصرية القديمة.

فريق حفائر كوم الخلجان

وضمت بعثة الحفائر الدكتور السيد فتحي الطلحاوي المشرف عليها ومحمد توفيق إبراهيم رئيس بعثة الحفائر وإيمان السيد يوسف مدير موقع الحفائر إضافةً لأعضاء البعثة أسماء مصطفى حسن محمد ورشا السيد محمد ومحمد أحمد عبد العظيم. وتؤكد نتائج موسم 2025/2026 أن موقع كوم الخلجان بالدقهلية يمثل أحد المواقع الأثرية المهمة في شرق الدلتا لما يضمه هذا الموقع التاريخي الرائع عبر مراحل زمنية وحضارية متعددة وما يمكن أن تكشفه أعمال الحفائر المستقبلية عن معلومات جديدة حول تاريخ المنطقة وسكانها.