شهد عهد عمر بن الخطاب، الذي امتد من 634 م حتى 644 م (13-24 هـ)، فتوحات واسعة شملت مناطق بعيدة ومتنوعة. فقد تمكن رضي الله عنه من فتح العراق، وإيران، وأذربيجان، وأرمينيا، وجورجيا، وسوريا، والأردن، وفلسطين، ولبنان، ومصر، بالإضافة إلى أجزاء من أفغانستان وتركمانستان وجنوب غرب باكستان.
كما استطاع رضي الله عنه دمج هذه البلدان ضمن دولة الخلافة الواحدة. وخلال فترة حكمه، سقطت إمبراطورية فارس وتم القضاء على حكم آل ساسان، بينما فقد البيزنطيون ثلاثة أرباع أراضي إمبراطوريتهم العريقة.
وقد أثمر عهد عمر بن الخطاب نتيجتين رئيسيتين: الأولى هي إزالة الدولة الفارسية (الساسانية) من الوجود، مما أدى إلى تقليص نفوذ الدولة الرومية (البيزنطية) وانتهاء الصراع المستمر بينهما الذي جرّ شعوب المنطقة إلى حروب دامية. الثانية هي ظهور قيادة عالمية واحدة للمنطقة التي كانت مركز العالم آنذاك.
بعد كل هذا المجد الذي حققه عمر رضي الله عنه، أصبح هدفًا للمتربصين الذين تألموا من قوته. وتدبرت بعض القوى في الخفاء لاغتيال خليفة المسلمين. وقد سنحت الفرصة لأعداء الإسلام من الفرس لطعن الخليفة عمر بن الخطاب أثناء توجهه للصلاة في المسجد.
نفذ العملية مولى فارسي أُسر في معركة نهاوند وكان ملكًا للمغيرة بن شعبة يُدعى (فيروز ويكنى بأبي لؤلؤة المجوسي)، حيث طعنه بخنجر مسموم قبل فجر اليوم. وقُتل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على يد الغدر الآثمة التي استهدفته.
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخشى على المسلمين من الفرقة بعد وفاته، وعندما عرض عليه الصحابة تعيين خليفة له، رفض تحديد شخص بعينه. لكنه وضع نظامًا يضمن لهم اختيار الخليفة المناسب من بين الصحابة الستة المبشرين بالجنة وهم: عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف.
وضع عمر لهذا الأمر دستورًا محكمًا ضم ابنه عبد الله ليكون له رأي في الاختيار بشرط ألا يُختار هو للخلافة. كما حدد مدة التشاور بثلاثة أيام.
عندما استشهد -رضوان الله عليه- في الأول من محرم سنة 24 هـ، انعقد مجلس الأخيار لتحديد خلف له. واقترح عبد الرحمن بن عوف أن يخرج نفسه من دائرة الستة ليتم الترشيح بين الخمسة الآخرين فقط. واستشار عبد الرحمن الخاصة والعامة والمرشحين فوجد أن الإجماع يكاد يكون منعقدًا على عثمان أو علي بن أبي طالب. وفي النهاية تم اختيار عثمان لكبر سنه وسهولة طبعه.
تولى عثمان الخلافة في 3 محرم سنة 24 هـ وكان قد أتم السبعين عامًا. انتهز المتربصون الذين أُزيل سلطانهم بسبب الفتح الإسلامي فرصة انشغال الخليفة عثمان بتدبير شئون الدولة وقاموا بثورتين في خرسان والإسكندرية. وفي ثورة الإسكندرية استعان المندسون بالروم لمحاولة إعادة السيطرة على مصر مرة أخرى. لكن عثمان أرسل جيشين لمواجهة التمرد؛ الأول إلى خرسان والثاني إلى الإسكندرية وتمكن من إنهاء التمرد واستعادة السيطرة.
شهد عهد عثمان بن عفان (644-656 م) العديد من الأحداث الكبرى أبرزها جمع القرآن الكريم في مصحف واحد وتوسيع المسجد الحرام والمسجد النبوي. كما استمر عثمان في مشوار الفتح والتوسع حيث أنشأ الأسطول البحري لتحقيق ذلك.
فقد انضمت إلى الدولة الإسلامية برقة وطرابلس غرب مصر وجزء من بلاد النوبة بالإضافة إلى بلاد أرمينيا وأجزاء من طبرستان ودخلت جيوش المسلمين بلاد ما وراء النهر واستولت على بلخ وهراة وكابول وغزنة.
ومن خلال البحرية الإسلامية دخلت قبرص ضمن الدولة الإسلامية بعد غزوها بواسطة معاوية بن أبي سفيان سنة 28 هـ. ومن أبرز المعارك البحرية كانت موقعة ذات السواري التي حدثت سنة 31 هـ بالقرب من الإسكندرية بين جيش الروم بقيادة قسطنطين وعبد الله بن أبي السرح والي مصر.
وسميت “ذات السواري” نسبة إلى سواري السفن التي شاركت فيها حيث اشتركت ألف سفينة منها مئتان للمسلمين والباقي للروم وقد حقق المسلمون النصر في هذه المعركة.
إلى اللقاء في الحلقة القادمة ضمن سلسلة محطات تاريخية.

