انتقل الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) إلى الرفيق الأعلى، تاركًا خلفه رجالًا أفذاذًا قادوا جموع المسلمين بعده وفق المنهج القويم الذي خطه لهم، والذي لم يترك فيه مجالًا لغير روح الإسلام التي سرت في عقولهم ونفوسهم مسرى الدم في العروق.
فأتم لهم الدين الذي ارتضاه رب العالمين، وبلَّغهم البلاغ الكامل الذي لا نقصان فيه، وعلَّمهم الشريعة الغراء التي صلحت بها أمور دينهم ودنياهم. كما ترك لهم قواعد رصينة تقيهم الشطط وعثرات الطريق، فاتسعت الأرض من تحت أقدامهم، ودانت لهم الدنيا. وإذا بهم يتجاوزون سور الجزيرة العربية بعد أن تحطم هذا السور جراء المد الإسلامي الجارف، لكنهم لم يتجاوزوه إلا بعد أن دخلت القبائل العربية في دين الله أفواجًا.
رحل الرسول (صلى الله عليه وسلم) بعد أن ضرب وكر الأفاعي «اليهود» ضربة قاصمة. فقد كان حدثًا عظيمًا له ما بعده حين داهم صلوت ربي وسلامه عليه خيبر «وكر الأفاعي اليهود» في العام السابع للهجرة، وضرب حصارًا عليها. فرحت حصون اليهود تتساقط بعدما رأوا بأس المتمترسين خلف النبي الهادي (صلى الله عليه وسلم)، ولم يكن أمامهم سوى الاستسلام والرضوخ.
ورأى يهود «فدك» ما جرى ليهود خيبر، فصالحوا الرسول على نصف ثمارهم وأرضهم. بينما لم يستوعب يهود «وادي القرى وتيماء» انكسار سادات اليهود أمام أعينهم، وحاولوا عبثًا إيقاف عجلة التاريخ، لكن باءوا بفشل ذريع. انكسرت شوكة اليهود من جزيرة العرب، اللهم إلا بقايا ممن وترتهم الهزائم المتلاحقة، فعزموا على التربص بهنات ضعف المسلمين كلما واتت الفرصة.
ليس أدل على ذلك مما فعلته المرأة اليهودية زينب بنت الحارث بن سلام حين دست السم في شاة مشوية قدمتها للرسول (صلى الله عليه وسلم)، وقد نجاه الله من غدرها حين أوحى إليه (صلى الله عليه وسلم) بأن الشاة مسمومة. فقام النبي بمضغ اللحم وحذَّر أصحابه من أكله.
ورغم أن هذه كانت حوادث فردية من أناس وترتهم هزيمة قومهم من اليهود بعدما زال سلطانهم، إلا أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) تنبه لخطورتها. فمنذ مطلع العام السابع للهجرة بدأت حركة الوفود والكتب تنطلق من الجزيرة العربية إلى خارجها، حاملةً رسائل الرسول إلى ملوك وأمراء الآفاق بغية نشر الإسلام إلى أبعد نقطة يمكن الوصول إليها.
ولم يغفل الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن خطورة بقاء اليهود خلف هذه الوفود؛ فذاك وضع لا تأمن فيه الدعوة ظهرها. وصارت بقايا اليهود في الجزيرة تؤرقه بعد أن خرجت أرسالٌ منهم إلى الشام وفارس شمالًا وإلى اليمن جنوبًا. وقد رُوي عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلمًا»، وروي عنه أيضًا: «لا يبقى في جزيرة العرب دينان».
في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، امتد الإسلام وتجاوز أرض خيبر في طريقه إلى فارس والروم. وأصبح يهود خيبر في ظهر المسلمين، مما جعل عمر يخشى خطرهم ويرى أنهم قد يضربون المسلمين من الخلف كما فعلوا سابقًا. لذا قدم لهم العروض السخية ودفع أصحاب رسول الله ممن كان معهم من مغانم الغزوات ما يدخرونه لشراء الأراضي من اليهود وأغراهم بالمال حتى على ما يملكون من متاع.
اختار عمر وقتًا مناسبًا حيث أراد اليهود الخلاص والخروج من وسط المسلمين بعد أن بات اليأس لديهم واضحًا من أي محاولة لضرب هذا الدين؛ فقد أصبح الإسلام خطرًا على بقائهم. وهؤلاء اليهود هم الذين أصروا على البقاء ولم يغادروا كما فعلت جموع منهم حين آثروا الاحتماء بممالك الأرض القوية كفارس والروم. واستطاع عمر رضي الله عنه بهذه الحيلة التدريجية إخراج اليهود أرسالاً وعلى فترات من جزيرة العرب كلها، ولم يبق منهم إلا ما لا تلحظه الأعين ولا يلمحه التاريخ.. وإلى الحلقة القادمة من سلسلة (محطات تاريخية).

