تتعدد الأسئلة التي تُطرح حول لحظات تاريخية فارقة، وليس من قبيل الفضول أن نسأل: ماذا لو لم تحدث 30 يونيو؟ هل كانت مصر ستظل كما هي اليوم، أم كنا سنشهد دولة تعاني الفوضى ولا تستطيع النهوض منها؟
عزيزي القارئ، في خضم الاختلافات السياسية، تظل الأرقام مرجعًا هادئًا وأكثر عدلاً. فهي لا تنحاز لأحد، بل تروي الأحداث كما هي. في عام 2013، كانت مصر تمر بأحد أصعب أوقاتها؛ حيث انخفض احتياطي النقد الأجنبي إلى 13.6 مليار دولار بعد أن كان قريبًا من 36 مليارًا، وتراجع معدل النمو إلى 1.8%، بينما ارتفعت البطالة إلى 13.2% وسط ضغوط اقتصادية وأمنية متزايدة.
لم يقتصر المشهد على الأبعاد الاقتصادية فقط؛ فقد كان انقطاع الكهرباء لساعات طويلة جزءًا من الحياة اليومية، وتباطأت المصانع أو توقفت تمامًا، مما زاد من قلق المواطنين بشأن المستقبل. لم يكن السؤال المطروح آنذاك هو: كيف نتقدم؟ بل: كيف نتجنب السقوط؟
ثم جاءت 30 يونيو لتفتح مسارًا جديدًا تمامًا. ورغم اختلاف الآراء حول الحدث سياسيًا، فإن الأرقام تشير إلى تحولات كبيرة خلال السنوات التالية. ارتفع الاحتياطي النقدي إلى ما يقارب 40 مليار دولار قبل الأزمات العالمية الأخيرة، وانخفض معدل البطالة إلى نحو 7%، وحقق الاقتصاد معدلات نمو وصلت إلى 5.6% قبل جائحة كورونا رغم الاضطرابات الاقتصادية العالمية التي تلت ذلك.
ومن أبرز مؤشرات هذا التحول كانت الكهرباء. هل تتذكر الأيام التي كان الجميع ينتظر فيها انقطاع التيار الكهربائي؟ اليوم، تجاوزت القدرة الكهربائية في مصر 60 ألف ميجاوات بعد إضافة عشرات الآلاف من الميجاوات الجديدة، وتحولت البلاد من دولة تعاني عجز الطاقة إلى دولة تمتلك فائضًا يسمح بالربط الكهربائي والتصدير.
كما شهد قطاع الغاز تحولاً ملحوظًا؛ فقد أدى اكتشاف حقل ظهر إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي لفترة وإعادة مصر إلى خريطة تصدير الغاز الطبيعي. هذه ليست مجرد أرقام إنتاج، بل تعكس قدرة الدولة على تأمين احتياجاتها وتعزيز مكانتها الإقليمية.
وعند التجول في الشوارع، لن تحتاج إلى تقارير اقتصادية لتلاحظ حجم التغيير؛ حيث تم إنشاء آلاف الكيلومترات من الطرق الجديدة ومئات الكباري والمحاور وشبكات النقل الحديثة وتطوير السكك الحديدية ومترو الأنفاق. قد تختلف التقييمات حول بعض المشروعات وأولوياتها، لكن من الصعب إنكار التوسع غير المسبوق في البنية التحتية خلال العقد الأخير.
وفي مجال الصحة، لم يعد الحديث مقتصرًا على علاج الأمراض فقط بل شمل الوقاية أيضًا؛ حيث أصبحت مبادرة “100 مليون صحة” واحدة من أكبر حملات الفحص الطبي في تاريخ البلاد. كما تم تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل وتوسيع عمليات تطوير المستشفيات والخدمات الصحية في عدة محافظات.
أما التعليم فقد شهد تحولاً كبيراً عبر إنشاء المدارس والجامعات الأهلية والتكنولوجية وزيادة استخدام أدوات التعليم الرقمي وزيادة الإنفاق على البحث العلمي مقارنة بما كان عليه سابقاً. ورغم وجود تحديات كبيرة لا تزال قائمة، إلا أن الاتجاه العام يشير إلى جهود لإعادة بناء نظام تعليمي عانى طويلاً.
ولا يمكن تجاهل ما حدث في سيناء؛ فقد تحولت المنطقة التي ارتبط اسمها بالإرهاب والعمليات المسلحة إلى منطقة تشهد مشروعات تنموية وزراعية وأنفاق ومحاور وطرق جديدة. تغيرت الخريطة بصورة لافتة وأصبح الأمن مرتبطاً بالتنمية وليس بالإجراءات العسكرية وحدها.
لا توجد دولة كاملة ولا تجربة تخلو من التحديات أو الأخطاء. لقد تحملت السنوات الماضية أعباء اقتصادية قاسية خاصة مع جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية وأزمات التضخم العالمية. لكن يبقى السؤال الأهم: هل كانت مصر ستكون أكثر قدرة على مواجهة هذه الأزمات لو استمرت بالمسار الذي كانت عليه قبل 30 يونيو؟
قد يختلف الناس حول السياسة وهذا أمر طبيعي، لكن يصعب عليهم الاختلاف حول حقيقة أن الدول تُقاس بما تبنيه لا بما تقوله. فالطريق والمستشفى والمدرسة ومحطة الكهرباء والميناء ليست مجرد شعارات بل هي وقائع ملموسة يمكن رؤيتها ولمسها.
لذا عزيزي القارئ، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل نجحت 30 يونيو؟ بل سؤال آخر أكثر عمقاً وإزعاجاً…
لو لم تحدث 30 يونيو… هل كنا اليوم نتناقش حول مستقبل دولة تبني أم كنا نتحسر على وطن لم يعد موجوداً بالشكل الذي نعرفه؟
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأي كاتبها وليست بالضرورة تعبر عن رأي الموقع.

