قال خبراء اقتصاديون إن أسواق النفط العالمية أصبحت أكثر قدرة على استيعاب التوترات الجيوسياسية مقارنة ببداية الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يفسر تراجع حدة تفاعل الأسعار مع موجات التصعيد الأخيرة، رغم استمرار المخاوف بشأن الإمدادات.

وأوضحوا لـ”مصراوي” أن الأسواق تجاوزت الصدمة النفسية الأولى، بينما ساهمت متغيرات في العرض والطلب، إلى جانب استخدام مسارات تصدير بديلة والسحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، في الحد من القفزات السعرية، مع بقاء التطورات السياسية العامل الأكثر تأثيرًا على حركة النفط خلال الفترة المقبلة.

وقبل اندلاع الحرب، كان خام برنت يتداول عند نحو 72.48 دولارًا للبرميل، إلا أن أسعار النفط قفزت بشكل حاد مع بداية التوترات والهجمات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، ليتجاوز الخام حاجز 120 دولارًا للبرميل في 9 مارس 2026، قبل أن يسجل ذروته عند 126.41 دولارًا للبرميل في 30 أبريل 2026.

ومع تجدد التطورات العسكرية في الشرق الأوسط مؤخرًا، ارتفع خام برنت مجددًا ليسجل 86.99 دولارًا للبرميل، قبل أن يتراجع ويستقر قرب 84 دولارًا للبرميل، مع تقييم الأسواق لتأثير التصعيد على الإمدادات العالمية.

ويعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة عالميًا، إذ يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز في العالم، ما يجعل أي تهديد لحركة الملاحة فيه مصدرًا رئيسيًا لاضطرابات أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار.

اقرأ أيضًا:.

انهيار الهدنة بين أمريكا وإيران يشعل الأسواق.. النفط والدولار يقفزان والذهب يتراجع.

عوامل حدت من قفزات أسعار النفط

قال الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، إن محدودية ارتفاع أسعار النفط رغم تجدد التصعيد العسكري في الشرق الأوسط تعكس أن الأسواق العالمية أصبحت أكثر قدرة على التكيف مع المخاطر الجيوسياسية مقارنة ببداية الأزمة، بعدما استوعبت الصدمة الأولى المتعلقة باحتمالات تعطل إمدادات النفط.

وأوضح أن الأزمة الحالية لم تعد ذات طابع نفسي كما كانت قبل ثلاثة أو أربعة أشهر، إذ كانت الأسواق في بداية الحرب تتخوف من سيناريوهات مثل إغلاق مضيق هرمز وحدوث عجز كبير في الإمدادات، لكن هذه المخاوف استوعبها المستثمرون بالفعل، وهو ما جعل تأثير التطورات العسكرية الأخيرة على “نفسية التداول” أقل حدة مقارنة بالفترة السابقة.

وأضاف أن سوق النفط العالمية كانت تشهد قبل اندلاع الحرب فائضًا في المعروض يقدر بنحو مليوني برميل يوميًا، إلا أن إغلاق مضيق هرمز مع بداية الحرب بين إيران والولايات المتحدة حول هذا الفائض إلى عجز اقترب من 18 مليون برميل يوميًا.

وأشار أنيس إلى أن أساسيات سوق النفط تغيرت خلال الأشهر الماضية بفعل أربعة عوامل رئيسية ساهمت في احتواء العجز المتوقع في الإمدادات ومنعت حدوث قفزات كبيرة في الأسعار.

وأوضح أن العامل الأول يتمثل في تراجع الطلب الصيني على النفط حيث انخفضت واردات الصين من نحو 11 مليون برميل يوميًا إلى 7 ملايين برميل يوميًا، بما يعني انخفاض الطلب العالمي بنحو 4 ملايين برميل يوميًا.

وأضاف أنيس أن العامل الثاني هو اعتماد السعودية على خط أنابيب شرق-غرب الذي يسمح بتصدير نحو 7 ملايين برميل يوميًا بعيدًا عن مضيق هرمز وهو ما وفر مسارًا بديلًا لتدفقات النفط.

أما العامل الثالث فهو استمرار الإمارات في تصدير نحو مليوني برميل يوميًا عبر خط أنابيب الفجيرة الذي يتيح وصول النفط إلى الأسواق دون المرور عبر مضيق هرمز.

وأشار إلى أن العامل الرابع هو زيادة إنتاج الولايات المتحدة ومنتجين آخرين من خارج منطقة الخليج بنحو مليوني برميل يوميًا مما ساعد على تعويض جزء من أي نقص محتمل في الإمدادات العالمية.

وأضاف أن العوامل الأربعة السابقة نجحت في تقليص هذا العجز تدريجيًا ليصبح في حدود مليوني إلى ثلاثة ملايين برميل يوميًا فقط وهو ما يفسر عدم تسجيل أسعار النفط قفزات حادة مع تجدد العمليات العسكرية.

اقرأ أيضًا:.

النفط يقفز لأعلى مستوى في أسبوعين بعد إعلان ترامب انتهاء اتفاق إيران المؤقت.

الاحتياطيات الاستراتيجية ساهمت في تهدئة الأسواق

وأشار أنيس إلى الكميات المتبقية من العجز يجري تعويضها من خلال السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية والتجارية لدى عدد من دول العالم مما ساهم في تحقيق توازن نسبي بين العرض والطلب ومنع حدوث أزمة إمدادات واسعة النطاق.

وأوضح أن هذه الإجراءات حولت الأزمة من عجز ضخم كان يهدد استقرار سوق النفط العالمية إلى عجز مؤقت ومحدود الأمر الذي انعكس على وتيرة تحركات الأسعار.

وأضاف أنيس أن بعض الدول المنتجة الكبرى وفي مقدمتها الإمارات نجحت في الحفاظ على تدفق جزء من صادراتها النفطية عبر المسار الجنوبي باتجاه بحر العرب وسلطنة عمان مستفيدةً من إمكاناتها السياسية والعسكرية إلى جانب استخدام خط أنابيب الفجيرة مما ساعد على استمرار تدفق الإمدادات للأسواق العالمية رغم التوترات في مضيق هرمز.

وأكد أن جميع هذه العوامل جعلت سوق النفط أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية مقارنة بما حدث في بداية الأزمة لذلك جاءت تحركات الأسعار الأخيرة أكثر هدوءًا رغم استمرار التصعيد العسكري.

اقرأ أيضًا:.

تراجع مخاوف الطلب حد من صعود الأسعار

قال الدكتور وائل النحاس الخبير الاقتصادي إن طبيعة تحركات أسعار النفط تغيرت مقارنة ببداية الحرب بين الولايات المتحدة وإيران موضحًا أن المرحلة الأولى من الأزمة شهدت مخاوف واسعة بشأن تعطل الإمدادات العالمية وهو ما أدى إلى ارتفاعات حادة في الأسعار نتيجة ما وصفه بـ”صدمة العرض”.

وأضاف النحاس أنه لم تعد أزمة الإمدادات هي العامل الوحيد المسيطر على الأسواق بل برزت مخاوف تتعلق بتباطؤ الطلب العالمي على النفط وهو ما حد من وتيرة صعود الأسعار رغم استمرار التوترات بالمنطقة.

وأشار النحاس إلى انخفاض واردات الصين من النفط باعتبارها أكبر مستورد للخام بالعالم يعكس تباطؤاً بالطلب العالمي ويزيد المخاوف بشأن النمو الاقتصادي مما يحد من قدرة الأسعار على مواصلة الارتفاع بنفس الوتيرة التي شهدتها الأسواق ببداية الأزمة.

وأوضح النحاس أيضاً البيانات الاقتصادية الأمريكية الأخيرة سواء المتعلقة بالتضخم أو التوظيف تعكس حالة ضبابية بشأن أداء الاقتصاد معتبرًا أنه يجب مراقبة هذه المؤشرات عن كثب لما لها من تأثير مباشر على توقعات الطلب العالمي للطاقة.

ورأى النحاس أنه جزء كبيراً مما يحدث حالياً بأسعار النفط يعود للمضاربات المرتبطة بالأحداث السياسية وليس فقط للتغيرات الفعلية بأساسيات السوق مشيراً إلى تفاعل المستثمرين السريع مع التصريحات والتطورات العسكرية قبل عودة الأسعار لمستويات أكثر اتزاناً.

وأضاف النحاس إن المشهد بمنطقة الخليج لا يزال مفتوحاً لعدة سيناريوهات وأي تصعيد جديد قد يؤدي لارتفاع مؤقت بأسعار النفط خاصة إذا امتد ليشمل طرق الملاحة أو صادرات الطاقة.

وأشار أيضاً للأسواق حالياً تمر بما وصفه بـ”مرحلة التسويات” حيث تستغل الشركات والدول انخفاض الأسعار لتأمين احتياجاتها لكنه شدد بأن التوترات الجيوسياسية لم تنته بعد وأن استمرارها سيبقي أسواق النفط تحت تأثير حالة عدم اليقين خلال الفترة المقبلة.

وأوضح النحاس بأن التطورات السياسية ستظل العامل الأكثر تأثيراً بسوق النفط خلال المرحلة القادمة مع استمرار متابعة المستثمرين للتطورات العسكرية والقرارات الأمريكية المتعلقة بمنطقة الخليج.