تشهد الحركة المسرحية في الآونة الأخيرة انتعاشة فنية ملحوظة، أعادت للخشبة بريقها وجذبت إليها شرائح متنوعة من الجمهور. في قلب هذا الحراك الثقافي، نجح العرض المسرحي “لحظة واحدة” في خطف الأنظار وتحقيق استحسان جماهيري ونقدي واسع منذ الأيام الأولى لانطلاقه، بفضل توليفته الإنسانية المؤثرة وأداء صناعه المتميز.

العرض يأتي تحت رعاية قطاع المسرح برئاسة الدكتور أيمن الشيوي، ومن إنتاج مركز الهناجر للفنون برئاسة الفنان شادي سرور، ويستقبل جمهوره يوميًا على خشبة مسرح البالون التابع للبيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية برئاسة الفنان تامر عبد المنعم.

تتضمن المسرحية لوحات فنية بصرية صاغها المخرج والمؤلف يوسف مراد منير، وتتألق في بطولته الفنانة القديرة ماجدة منير التي وضعت لمساتها الإبداعية بأداء مبهر لقصة إنسانية تلمس القلوب. ويشاركها البطولة الفنان الشاب إسلام شوقي الذي يمثل الابتسامة العابرة في العمل، مانحًا العرض توازنًا كوميديًا لطيفًا يخفف من وطأة الدراما الثقيلة دون الخروج عن إطارها النصي. تدور أحداث المسرحية في قالب من “البلاك كوميدي” حول أهمية كل ثانية في العمر، مستعرضة قصة “سميرة”، الممثلة المتقدمة في السن التي تقرر إنهاء حياتها بعد فشل آخر عروضها وتراكم الديون عليها إثر وفاة زوجها. ليظهر لها فجأة شخص يقلب موازين تفكيرها ويعيد إليها الرغبة في التمسك بالحياة والمحاولة من جديد ولو لـ “لحظة واحدة”.

وفي هذا السياق، التقت “فيتو” بصناع وأبطال العرض المسرحي “لحظة واحدة” في حديث خاص، كشفوا خلاله عن كواليس صناعة هذا العمل وسر التناغم الكبير بين جيل الكبار والشباب، بالإضافة إلى الوقوف على أبرز التحديات التي تواجه مسرح الدولة ورؤيتهم لمستقبل الحركة الفنية.

ماجدة منير: المسرح بيتي الأول.. وشخصية “سميرة” تلمس واقع العديد من الفنانين.. ومساندة الشباب واجب

وكشفت الفنانة القديرة ماجدة منير عن كواليس عودتها إلى خشبة المسرح بعد غياب طويل استمر لأكثر من 15 عامًا، موضحة أن قرار العودة جاء مدفوعًا بشقين؛ أولهما اشتياقها الشديد للمسرح الذي تعتبره بيتها الأول، وثانيهما إعجابها الكبير بالنص الإنساني للعرض القائم على “الديودراما” بمشاركة ممثلين اثنين فقط. مما ساهم في تقليص الجهد والوقت المبذول في البروفات وجعل التجربة مناسبة لها تمامًا في الوقت الحالي بدلًا من الانخراط في عمل مسرحي ضخم.

وأكدت منير أن حماسها للعمل تضاعف لكونه من تأليف وإخراج شاب وبطولة فنان شاب. مشيرة إلى أنها تضع دائمًا آمالها في جيل الشباب وتحرص على مساندتهم. حيث سبق لها المشاركة في العديد من مشاريع تخرج طلاب معهد السينما دون تقاضي أي أجر كنوع من الدعم والتشجيع لجيل المستقبل. مضيفة أن مخرج العمل يوسف مراد منير، وهو ابن شقيقها يمتلك طموحًا كبيرًا وتجارب ناجحة سابقة وقد حفزها لخوض التجربة بعدما أخبرها بأنه كتب هذا النص خصيصًا لها.

وعن تفاصيل دورها أوضحت أنها تجسد شخصية “سميرة” وهي ممثلة تقدمت في العمر وتتشابه معها في بعض الجوانب وتعاني من إحباطات مهنية واجتماعية ومادية حادة. لاسيما بعد وفاة زوجها وبقائها وحيدة تحت وطأة الديون. وفي وقت لم يعد فيه المسرح يدر عليها دخلًا يكفي متطلبات معيشتها. وأشارت إلى أن الأحداث تشهد مفاجأة كبرى تقلب حياة “سميرة” رأسًا على عقب لتتحول من امرأة يائسة إلى شخصية متفائلة ومحبة للحياة. مؤكدة أن القصة الإنسانية للشخصية قادرة على لفت انتباه وتفاعل الجمهور بمختلف فئاته.

وفي سياق متصل وصفت الفنانة قرار عودة النجوم الكبار إلى المسرح بالصعب للغاية في ظل الظروف العامة غير المهيأة منتقدة غياب الاهتمام الكافي بالمسرح وتدني الأجور التي لا تتناسب مع الجهد والوقت المبذولين.

يوسف مراد منير: المسرح يفقد الجمهور إذا لم يحترم عقولهم

فيما أكد المخرج يوسف مراد منير أن ما يميز العرض المسرحي “لحظة واحدة” هو استمرار عرضه طوال أيام الأسبوع مما يتيح مساحة يومية للجمهور للاستمتاع بالأنشطة الفنية والثقافية دون الانحصار في عطلات نهاية الأسبوع فقط. وأوضح أنه على الرغم من ضعف الإقبال في الأيام الأولى إلا أن الحضور الجماهيري شهد تزايدًا ملحوظًا بمجرد معرفة الناس بوجود فعاليات ثقافية مستمرة على مدار الأسبوع مشيرًا إلى أن هذا الإقبال يأتي في ظل تراجع كبير للمشهد الثقافي الحالي وهو ما تحاول وزارة الثقافة تداركه في الوقت الراهن.

وعن كواليس صناعة العمل كشف المخرج أن مسرحية “لحظة واحدة” ولدت من رحم صدفة غريبة؛ حيث توجه لمقابلة أحد مديري المسارح لتقديم مشروع فني وظل منتظرًا لأكثر من ثلاث ساعات دون أن يلتقيه في النهاية. وأشار إلى أنه عاد إلى منزله يشعر بضيق شديد مما دفعه لاتخاذ قرار بكتابة نص ينتقد فيه المسرح وسلبياته لتأتي النتيجة مغايرة تمامًا عما خطط له وتخرج مسرحية “لحظة واحدة” النابعة من القلب وهو ما ينعكس يوميًا في عيون الجمهور عبر قالب “البلاك كوميدي” الذي يصل إليهم بشكل ممتع.

وأوضح المخرج أن عبارة “لحظة واحدة” تحمل معاني كثيرة لكنها بالنسبة له تمثل ما تبقى من عمر المسرح المصري مما يستدعي التشبث بها والانتباه إليها بشدة. وحذر من أن المسرح رغم عظمته كفن يقف على أعتاب فقدان اهتمام الجمهور محذرًا من خسارته تمامًا إذا استمر صناعه في التحدث إلى أنفسهم. وشدد على ضرورة تقديم عروض وفعاليات ثقافية تلمس مشاكل الناس وتحترم عقولهم بدلًا من تقديم عروض مجردة من المعنى معربًا عن أمله بأن ينضم المزيد من المخرجين الشباب إلى زملائهم الذين يحاولون حاليًا تحقيق هذه المعادلة.