تضع الهجمات العسكرية الأخيرة في الشرق الأوسط البنتاجون أمام معضلة دفاعية معقدة؛ إذ كشفت الضربات الإيرانية التي أدت لمقتل ثلاثة جنود أمريكيين في الأردن عن وتيرة متسارعة لتطور القدرات الهجومية لطهران، مستغلة فجوة حرجة تعاني منها الدفاعات الجوية وتضاؤل الذخائر الأمريكية من صواريخ الاعتراض الجوي.
وأظهرت تقارير البنتاجون المرفوعة إلى الكونجرس تسارعا خطيرا في تكتيكات طهران القتالية، لتوضح كيف تحولت إيران إلى خصم أكثر مهارة في التملص من الرادارات وتوسيع رقعة المواجهة الإقليمية، مستفيدة من الشح الحالي في صواريخ الاعتراض الجوي لإثبات قدرتها على خوض حرب غير متكافئة لزعزعة التوازن العسكري وإثبات فاعلية خططها الهجومية المبتكرة.
تكتيكات طهران وتأثير تضاؤل الذخائر الأمريكية
وشهدت جبهة الأردن مواجهة محتدمة استمرت خمسة أيام الشهر الماضي، شنت خلالها إيران هجمات متتالية بأسراب من المسيرات والصواريخ المتطورة القادرة على التعديل المفاجئ لمسارها باتجاه ثلاثة قواعد عسكرية أمريكية هناك.
وقد أكد الحرس الثوري أن جزءا من ترسانته الصاروخية بات يمتلك قدرات تتيح له تغيير مساره أثناء التحليق لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، فيما يُعرف باسم “الصواريخ المراوغة”.
وأوضح المتحدث باسم الحرس الثوري، حسين محبي، أن مرحلة اعتماد الصواريخ على مسار ثابت بين نقطة الإطلاق والهدف أصبحت من الماضي، مؤكدا أن هذه القدرات جرى اختبارها في الميدان خلال الحرب لضرب ما وصفه بـ”شبكة قوة العدو”.
واستهدفت طهران من هذه المناورات المكثفة شل قدرة منظومات الدفاع الجوي وإنهاك مخزون القوات من صواريخ باتريوت الشحيحة وباهظة التكلفة.
وفي اليوم الخامس من الهجمات العنيفة، نجحت الصواريخ الإيرانية في اختراق الجدار الدفاعي؛ حيث أصاب صاروخ موجه مجمع الوحدات السكنية الجاهزة في إحدى القواعد يوم 17 يوليو، ما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين وإصابة أكثر من مئة آخرين، فضلا عن أضرار مادية جسيمة لحقت بعدة طائرات حربية متمركزة في الموقع.
وأوضح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو كواليس الهجوم قائلا: “أسقطنا جميع الصواريخ تقريبا.. لكن صاروخا واحدا نفذ منها”.
أزمة استنزاف الدفاعات وشح الذخائر الأمريكية
وكشفت الأرقام المسربة عن حجم التراجع الحاد في القدرات الدفاعية لأمريكا بالمنطقة؛ حيث استخدم البنتاجون أكثر من 1500 صاروخ اعتراض من طراز “باتريوت” منذ اندلاع حرب إيران، ولم يتبق لديه في المخازن سوى أقل من 1700 صاروخ، بينما تقتصر القدرة الإنتاجية السنوية للمصانع الأمريكية على نحو 600 صاروخ فقط تُصنع بالكامل خلال عام 2025، ما يضع أمن القواعد أمام تحديات حقيقية في ظل استنزاف ذخائر الحرب الأمريكية وصعوبة تعويضها سريعا.
ويرى خبراء عسكريون أن طهران استفادت بشكل كبير من دراسة مجريات حرب أوكرانيا؛ حيث طبقت بفاعلية التكتيك الروسي القائم على دمج الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز لتشتيت انتباه الرادارات الجوية قبل إتباعها بموجات مكثفة من المسيرات الانتحارية.
وأكد سيث ج. جونز، رئيس قسم الدفاع والأمن في مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية، لصحيفة “نيويورك تايمز” أن إطلاق توليفة متنوعة من المقذوفات يجهد الدفاعات الجوية ويجعل تأمين المواقع العسكرية عبر الخليج أمرا شاقا ومكلفا للغاية.
وفي يوم واحد من ذلك الأسبوع، أطلقت الدفاعات الأمريكية بالشرق الأوسط نحو 50 صاروخ باتريوت بتكلفة إجمالية بلغت 200 مليون دولار بواقع أربعة ملايين دولار للصاروخ الواحد.
ويأتي هذا الاستنزاف ليفند تصريحات وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث السابقة في 8 أبريل والتي قلل فيها من الخطر الإيراني مدعيا أن برنامج إيران الصاروخي دمر عمليا وأصبح غير فعال قبل أن يستخرج الإيرانيون مخزوناتهم من منشآت سرية محصنة تحت الأرض لتوجيه هجمات عطلت حركة الملاحة بمضيق هرمز.
توازنات الردع الميداني واستنزاف الذخائر الأمريكية
وأفاد ولي نصر، الأستاذ بجامعة جونز هوبكنز بأن الرئيس دونالد ترامب ومستشاريه افترضوا خطأ أن الحرب ستكون قصيرة ولن تستنزف صواريخ باتريوت.
تمركزت القوات الأمريكية المستهدفة في قاعدة “موفق السلطي” الجوية بمنطقة الأزرق الأردنية، وهي المنشأة التي استخدمها سلاح الجو الأمريكي كمركز رئيسي بديل بعد نقل آلاف الجنود وعشرات الطائرات إليها من قواعد سابقة في الكويت والبحرين وقطر والإمارات هربا من خطر الهجمات المباشرة.
وعقب حادثة 17 يوليو سأل ترامب وزير دفاعه عن حجم النقص الفعلي في إمدادات السلاح والذخائر وهو ما أكدته كواليس نشرتها صحيفة “واشنطن بوست”.
ونفى المتحدث باسم البنتاجون شون بارنيل وجود أي نقص واصفا التقارير الإعلامية بالباطلة والمشجعة للأعداء على مهاجمة القوات الأمريكية ميدانيا.
وقبل أسبوعين قرر ترامب إلغاء ضربات جوية ضد إيران تلبية لطلب سعودي والإمارات وقطر الذين فضلوا الدبلوماسية لإنهاء الحرب التي أسفرت عن مقتل 1700 مدني إيراني.
وحذر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ترامب في اتصال هاتفي بأن الرد الإيراني قد يستهدف البنية التحتية لمنشآت الطاقة بالخليج مؤكدا أنه مع التراجع الشديد في مخزونات صواريخ الاعتراض الأمريكية يصبح خطر وقوع أضرار بالغة أمرا واقعيا لا يمكن تحمله.
وكانت إيران قد أثبتت كفاءة تكتيكاتها في أبريل الماضي بإسقاط مقاتلة أمريكية متطورة من طراز “F-15E” تبلغ قيمتها 60 مليون دولار فوق الأراضي الإيرانية باستخدام صاروخ محمول على الكتف وجرى إنقاذ الطيار وضابط الأسلحة بعملية برية لاحقة نفذتها قوات خاصة أمريكية.
واستخدمت طهران في تلك الحادثة أسراب مسيرات لرصد موقع الطائرة وسرعتها واتجاهها بدقة لتسهيل استهدافها بصاروخ أرض-جو لم يمنح أنظمة الطائرة سوى نصف ثانية من التحذير مما أجبر ترامب على إعلان وقف مؤقت للقتال للتكيف عسكريا مع التطور الهجومي الإيراني.
ومع دخول جماعة أنصار الله الحوثيين باليمن خط المواجهة الشهر الماضي يرى الخبراء أن طهران تسعى لفرض جبهة اشتباك متعددة المحاور لإجبار أمريكا وحلفائها على الدفاع في كل اتجاه.
وتزامن ذلك مع تقارير لمفتشين دوليين تشير إلى أن إيران تخزن أجزاء مهمة من برنامجها النووي وقادتها العسكريين داخل مجمع سري حصين تحت الأرض في “جبل الفأس” الذي يقع على عمق يزيد على 300 قدم مما يجعل مساعي استهدافهم عسكريا أمرا بالغ التعقيد وفق تقديرات المحللين الاستراتيجيين الدوليين.

