باريس 1883… القاهرة 1892.
تسع سنوات تفصل بين ولادتي امرأتين في قارتين مختلفتين. إحداهما حملت المقص لتقص فساتين العالم، بينما الأخرى حملت القلم لتخترق جدران الحريم.
كوكو شانيل التي قالت “الأناقة هي الرفض”، وقوت القلوب الدمرداشية التي رفضت أن تكون مجرد اسم في كشف عائلة صوفية.
على الرغم من عدم لقائهما أبداً، جمعهما كتاب واحد بعد مئة عام، وفضيحة واحدة، وسؤال واحد:
هل التشابه بين امرأتين يصنع إبداعاً أم اتهاماً؟
ما الذي يجمع بين أيقونة الموضة الفرنسية التي غيرت وجه القرن العشرين، وكاتبة مصرية كتبت عن الحريم باللغة الفرنسية وماتت في النمسا؟
على الورق لا شيء، لكن في التفاصيل يكمن الكثير.
بينهما طفولة قاسية، حب خارج القانون، اتهام بالخيانة، وقفزة من الهامش إلى المجد.

كوكو شانيل وقوت القلوب الدمرداشية… سيرتان متوازيتان فصل بينهما البحر وجمعتهما أقدار متطابقة إلى حد بعيد؛ فمن قصر بالسان إلى قصر دُمر في القاهرة، ومن اتهام بالتعاون مع النازي إلى اتهام بهدم السمعة.

لكن عندما قررت وزارة الثقافة أن تجمعهما في غلاف واحد بعنوان “كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين” لم يكن أحد يتوقع أن ينتهي الكتاب باستقالة وزيرة وحكم قضائي من محكمة النقض.

صدر الكتاب للدكتورة جيهان زكي في 2024 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب قبل توليها منصب وزارة الثقافة. وقد حمل فكرة جريئة تقارن بين مصممة الأزياء العالمية كوكو شانيل والكاتبة المصرية الرائدة قوت القلوب الدمرداشية، حيث جمع بينهما المعاناة والمجد والحب الخارج عن المألوف والاتهام بالخيانة.

لكن بعد شهور قليلة انقلبت الفكرة إلى أزمة.
صدرت اتهامات بالاقتباس الحرفي والنقل غير القانوني من كتاب “سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية” الصادر في 2022 للباحثة والكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد، الذي اعتمد على وثائق وأرشيف وتتبع دقيق لمسيرة امرأة تمردت على عصرها.

بين الكتابين تقف ثلاث سيدات: واحدة صنعت الموضة والأخرى صنعت الكلمة ووزيرة دفعت الثمن.

فما هي قصة الشخصيتين في الواقع؟

في السطور التالية نتعرف على كل شخصية منهما على حدة…

 

كوكو شانيل… من ملجأ الأيتام إلى عرش الموضة

في 19 أغسطس 1883 وُلدت في مستشفى خيري بمدينة سومور الفرنسية طفلة لم يحمل ميلادها أي وعد بالمجد. كانت غابرييل بونور شانيل ابنة امرأة تعمل في غسل ملابس الآخرين وأب بائع متجول. توفيت والدتها وهي في الثانية عشرة فتوزعت العائلة: الصبيان إلى الحقول والبنات الثلاث إلى ملجأ “أوبازيني” القاسي. هناك، بين جدران الانضباط الصارم، تعلمت الخياطة دون أن تدري أنها تخيط مستقبل القرن العشرين.

من “كوكو” إلى “مادموازيل” باريس

بدأت حياتها تغني في مقاهي ضباط سلاح الفرسان بصوت هامشي فأطلقوا عليها “كوكو” نسبةً لأغنيتين شعبيتين. فشلت على المسرح لكنها نجحت في اختراع نفسها.
في 1908 قابلت رجلين غيّرا مصيرها: إتيان بالسان الذي أدخلها عالم القصور واللؤلؤ وآرثر “بوي” كابيل الذي مول أول حلم لها. بسقوط كابيل في حادث عام 1919 قالت لاحقاً: “فقدت كل شيء” لكنها لم تفقد شيئاً؛ فقد بدأت بالفعل عام 1910 ببيع القبعات في 21 شارع كامبون.

ثورة البساطة الراقية

في دوفيل عام 1913 وبياريتز عام 1915 قدمت شانيل ما صدم باريس: الجيرسي والتريكو. أقمشة الملابس الداخلية للرجال تحولت إلى فساتين للنساء؛ حررت الجسد من الكورسيه ومنحته الحركة.
في عام 1919 امتلكت مبنى رقم 31 شارع كامبون وبحلول عام 1927 كان لديها خمسة مبانٍ في الشارع ذاته. وفي عام 1921 أطلقت عطر شانيل رقم 5 الذي صمم زجاجته مستوحى من علب ويسكي كابيل.
اختارتها مجلة تايم ضمن أهم 100 شخصية في القرن العشرين وبحلول عام 1970 بلغت ثروتها 19 مليار دولار.

الظل والضوء في سنوات الحرب

في عام 1939 أغلقت الأبواب وبقيت شانيل في باريس المحتلة. هنا انقسم مسار حياتها؛ ارتبط اسمها بالبارون الألماني هانز غونتر فون دينكلاج وبالنظام الفاشي. وبعد التحرير أنقذها تدخل ونستون تشرشل من المحاكمة.
نُفيت إلى سويسرا ثم عادت عام 1954 بعمر الـ71 لتفجر الموضة من جديد. وفي عام 2011 كشفت وثائق عن تعاونها مع النظام النازي حيث اشتركت في محاولة نقل عرض سلام من النازيين إلى تشرشل عام 1943.

 

الصداقات والهواجس

كانت شانيل صديقة إيغور سترافينسكي وممولة باليه “طقوس الربيع” وكانت رفيقة درب ميزيا سيغ من النخبة البوهيمية وشاركتها حقن المورفين اليومي منذ عام 1935 وحتى آخر أيامها.

توفيت كوكو شانيل في 10 ديسمبر1971 تاركة وراءها ليس مجرد فستان أسود صغير أو عطراً بل فلسفة: “الأناقة هي الرفض”؛ رفض التعقيد ورفض أن تكون ضحية.
من فتاة ملجأ كتبت اسمها خطأً في سجلات المواليد إلى امرأة أعادت كتابة قواعد الجمال.

اليوم لا تزال.