في مثل هذا اليوم من عام 1939، شهدت العاصمة الألمانية برلين وباقي مدن الرايخ الثالث أخطر تصفية لممتلكات اليهود في البلاد، وذلك بقرار صادر عن وزارة الاقتصاد النازية الذي قضى بالإغلاق التام والنهائي لكافة المؤسسات والمنشآت التجارية والمصرفية التي يملكها أو يديرها مواطنون من الجالية اليهودية. مثل هذا القرار الضربة القاضية للوجود المالي لهؤلاء الملاك.

أسباب التضييق على يهود ألمانيا

لم تكن الدوافع النازية وراء هذا القرار وليدة الصدفة، بل كانت تعكس رغبة النظام في استكمال ما يسمى بالأرْيَنَة الاقتصادية، وهو مصطلح يشير إلى تصفية الأسواق من أي عناصر غير آرية. جاء ذلك بالتزامن مع حاجة خزينة الدولة الماسة إلى سيولة نقدية وأصول عقارية ضخمة لتمويل آلة الحرب التي كان يعدها أدولف هتلر لغزو بولندا وإشعال فتيل الحرب العالمية الثانية.

ويؤكد المؤرخون أن كواليس هذا القرار تكشف عنها شهادة القائد النازي هيرمان جورينغ خلال اجتماع رفيع المستوى بوزارة الطيران، حيث شدد على ضرورة إقصاء اليهود تمامًا من الاقتصاد وتحويل كافة أصولهم وسنداتهم إلى الدولة، مؤكدًا أنه لا يمكن السماح بوجود أسواق موازية في وقت يستعد فيه الرايخ لمعركته الكبرى.

بموجب هذا الإجراء، تهاوت ملكية هذه المؤسسات لتؤول عبر عقود إجبارية قاسية إلى رجال أعمال ألمان موالين للنظام بأسعار بخسة للغاية لا تعكس قيمتها الحقيقية. ولم تذهب تلك الأموال الزهيدة إلى جيوب أصحابها الأصليين، بل أودعتها السلطات في حسابات بنكية مجمدة صودرت لاحقًا تحت مسمى ضرائب المغادرة، بينما دمجت الشركات الكبرى والمصارف في كيانات عملاقة تابعة لمصانع السلاح النازية.

رد يهود ألمانيا على تصفية ممتلكاتهم

عاش الشارع اليهودي حالة من الذعر والانغلاق الكامل للآفاق؛ حيث انقسم ملاك المتاجر بين خيار الهرب والتهجير القسري نحو العواصم الأوروبية بعد التخلي عن ممتلكات أجدادهم مقابل تأشيرة خروج، وبين الوقوع في فخ الإفلاس والانتحار لمن عجزوا عن مغادرة البلاد.

تنقل مذكرات المعاصرين لتلك الحقبة، ومنها شهادات وثقها المؤرخ راؤول هيلبرغ، أن أحد التجار اليهود في برلين قال إن مندوبًا من جبهة العمل الألمانية جاء في صباح ذلك اليوم ووضع قفلًا حديديًا على باب متجره الذي يملكه منذ عشرين عامًا، وأبلغه أنه لم يعد صالحًا لإدارة أي شيء في البلاد وعليه تسليم الدفاتر والخروج بملابسه فقط.