من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح “قطوف”، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب والرواد في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.

 

 

 

 

                       كرتونة

 

يُجرجر أقدامه المنهكة من التنقل بين الأتوبيسات والقطارات بعد عناء يومٍ شاق يقضيه مذ مطلع الفجر حتى المساء، يضرب ربوع المدينة ركضًا خلف رزقه يبيع البسكويت والحلوى؛ فتلك هي حرفته التي تعلم منها الرشاقة والخفة في الحركة والوثب والتنقل بين الأتوبيسات والقطارات. وهو لم يتعلم منها رشاقة الخطوة فحسب، بل رشاقة الكلمة أيضًا: (معايا بسكويت معايا عسلية أحلى تحلية وأحلى هدية للواد والبت والولية، معايا بسكويت محشي شكولاتة يفرفشك ويخليك آخر آلاجة).
أثناء العودة إلى منزله، يقطع شرود ذهنه المكبل بالتفكير في الهموم والديون التي قسمت ظهره وسلبت عينه الراحة، تجمع صوب مركز شباب الحي الذي يمر من أمامه في طريقه إلى المنطقة التي يقطن بها عند أطراف المدينة. ينظر في ترقب وتلمع عيناه ويسيل لعابه؛ يبدو أن هذا التجمع الغفير يتم فيه توزيع (كرتونة) أو ربما (كيس لحم).
تتسارع أنفاسه ونبضات قلبه خوفًا من أن تنفد الكمية ويعود إلى منزله يجر أذيال الخيبة، فهو يتخيل لمعة عيني زوجته وأبنائه حين يُقبل عليهم بالكرتونة التي حتمًا ستحتوي على خيرات الله من (الأرز والسكر والزيت والسمن والمكرونة)، فأي شيء سوف يجلب السعادة لزوجته أكثر من ذلك ويثلج قلبها؟
نعم، أي سعادة يمكن أن يدخلها عليها أكثر من هذه (الكرتونة)؟ أن تمتلئ النملية الخاوية؛ فتشعر المسكينة بالطمأنينة أنها ستجد ما تحتاجه من أساسيات لصنع الطعام.
لكن ليس هذا موسم رمضان ولا عيد ولا حتى انتخابات! تُرى لماذا يوزعون هذه (الكراتين)؟ لا بأس، ربما يوزعها أحدٌ ما نذر نذرًا، ليس مهماً السبب، المهم أن أحظى بواحدة.
يجاهد ليمر إلى الصفوف الأولى ليضمن نصيبه، فيجد سيدة تتوسط رجلين، يتحدثون بكلمات منمقة لا تبدو مألوفة لديه، يتحدثون عن الصحة النفسية للإنسان وأهمية الحفاظ عليها، وكيفية التعامل مع الضغوط النفسية، وأشياء كثيرة هو لا يفهمها، لكن ليس مهمًا، بالتأكيد في نهاية هذه الجلسة سيوزعون (الكرتونة).
تساءل الرجل عن سبب هذا التجمع، فأجابه أحد الحضور بأن هذا التجمع عبارة عن مبادرة بعنوان “الصحة النفسية للجميع”، يقدمون خلالها توعية بأهمية الصحة النفسية للإنسان.
ماذا؟ الصحة النفسية!
اختنق صدره بأنفاس حاقدة وخيبة أمل مريرة، واستشعر صقيع الخذلان.
(الصحة النفسية للجميع)!
ولِمَ لا يكون الطعام للجميع ومن ثم سوف تكون الصحة النفسية بخير و(عال العال)؟
انتهت المحاضرة وبدأ الناس في المغادرة، وهم الرجلان والسيدة بالمغادرة بعد أن لمعت أعينهم ببريق نجاح محاضرتهم، والتي كانت ضمن سلسلة من محاضرات مبادرتهم للتعريف بأهمية الصحة النفسية في القرى والأحياء الأكثر فقرًا، والتي حرصوا أن يلتقطوا فيها الصور والفيديوهات التي سينشرونها لاحقًا من خلال منصاتهم على السوشيال ميديا. ثم غادروا ليستقلوا سياراتهم الفارهة، لكنهم لم ينسوا أن يوجهوا الشكر لمنظم المبادرة على حشد هذا العدد، والذي بالطبع سوف يكون له صدى كبير تتناقله الصفحات والمنصات.
انصرف الجميع، وخيم الصمت الموحش والفراغ المقيت؛ بيد أن رجع صدى مفزعًا يشق السكون ويردد في أرجاء المكان بتحدٍ: الطعام ليس للجميع.