بعد ما يقرب من ثلاثين عاماً على رحيل الأميرة ديانا، لا تزال سيرتها تحظى باهتمام عالمي واسع، باعتبارها واحدة من أكثر الشخصيات الملكية تأثيراً وحضوراً في الذاكرة الجماعية، وبينما ارتبط اسمها دائماً بلقب “أميرة الشعب” لما عُرف عنها من تعاطف وإنسانية وقرب من الناس، يعيد كتاب جديد فتح صفحات مختلفة من حياتها، مسلطاً الضوء على الجانب العاطفي الذي شكّل الكثير من قراراتها وتطلعاتها.
في كتابه الجديد «فرّق تسد: النساء الملكيات ومعاركهن» (Divide and Rule: Royal Women and Their Battles)، تقدم الصحفية والكاتبة المتخصصة في الشؤون الملكية كاثرين ماير قراءة جديدة لحياة الأميرة الراحلة، مركزة على العلاقة بين أحلامها الرومانسية المثالية والواقع المعقد الذي واجهته داخل أروقة العائلة المالكة البريطانية.
ويتناول الكتاب تأثير العلاقات الأسرية والتوقعات الاجتماعية والصراعات الشخصية التي واجهتها النساء داخل المؤسسة الملكية عبر أجيال مختلفة، إلا أن جزءاً كبيراً منه يخصص للأميرة ديانا سبنسر، التي يصفها بأنها شخصية جمعت بين الحس الإنساني الاستثنائي والإيمان العميق بقصص الحب المثالية، وهو ما جعلها تصطدم مراراً بواقع لم يكن يشبه الصورة التي رسمتها في خيالها.
وتستعرض المؤلفة رحلة ديانا منذ سنوات الدراسة الأولى، مروراً بأعمالها الإنسانية التي صنعت منها رمزاً عالمياً، وصولاً إلى الفترة التي سبقت زواجها من الملك تشارلز الثالث عندما كان ولياً للعهد، كاشفة عن شكوك وتساؤلات أحاطت بهذه العلاقة قبل أن تتحول إلى زواج ملكي تابع العالم تفاصيله.
ويشير الكتاب إلى أن صفة التعاطف التي اشتهرت بها ديانا لم تكن وليدة شهرتها، بل رافقتها منذ سنوات المراهقة، فخلال دراستها، كانت تشارك في الأعمال التطوعية المخصصة لخدمة المجتمع، حيث كُلفت بزيارة سيدة مسنة تعيش بمفردها، وبينما كان معظم الطلاب يلتزمون بالحد الأدنى المطلوب، اعتادت ديانا قضاء ساعات طويلة برفقة تلك السيدة، بل وكانت أحياناً تتغيب عن بعض الحصص الدراسية لمجرد الاطمئنان عليها ومؤانستها.
وينقل الكتاب شهادة أحد أصدقائها القدامى الذي وصفها بأنها من أكثر الأشخاص قدرة على التعاطف وفهم مشاعر الآخرين، وهي الصفة التي تحولت لاحقاً إلى جزء أساسي من صورتها العامة، وأسهمت في بناء شعبيتها الاستثنائية حول العالم.
كما يتوقف الكتاب عند إحدى أبرز المحطات الإنسانية في حياتها، عندما صافحت مريضاً بالإيدز عام 1987 أمام عدسات المصورين، في وقت كانت فيه المخاوف والمفاهيم الخاطئة حول المرض منتشرة بشكل واسع، وساهم ذلك الموقف في تغيير نظرة كثيرين إلى المرضى وكسر الصورة النمطية المرتبطة بالمرض، كما وجه رسالة قوية ضد الوصم الاجتماعي الذي كانوا يتعرضون له.
وتؤكد المؤلفة أن قيمة تلك اللحظة لا تكمن فقط في رمزيتها الإعلامية، بل في أن ديانا واصلت دعم المرضى وزيارتهم بعيداً عن الأضواء، ما يعكس أن اهتمامها لم يكن مجرد موقف دعائي، وإنما امتداداً طبيعياً لشخصيتها الإنسانية.
ورغم هذه الصورة المضيئة، يرى الكتاب أن طفولة ديانا تركت آثاراً نفسية عميقة استمرت معها لسنوات طويلة، فقد عاشت تجربة انفصال والديها، جون سبنسر، الإيرل الثامن لسبنسر، ووالدتها فرانسيس، وهي تجربة دفعتها إلى التمسك الشديد بفكرة الزواج المثالي والسعي إلى بناء علاقة مستقرة بعيدة عن الفشل والانفصال.
لكن المفارقة التي يطرحها الكتاب تتمثل في أن هذا التعلق الشديد بفكرة الحب الكامل ربما جعلها أكثر عرضة للخيبات العاطفية، إذ كانت تبحث عن نموذج يصعب تحقيقه في الواقع.
ويكشف الكتاب كذلك عن التأثير الكبير للروايات الرومانسية التي كتبتها الروائية الشهيرة باربرا كارتلاند، والدة زوجة والدها لاحقاً، على تكوين شخصية ديانا العاطفية، فقد كانت الأميرة الراحلة شغوفة بقراءة هذه الروايات، حتى إن إحدى زميلاتها وصفتها بأنها كانت تمتلك درجاً كاملاً مليئاً بكتب كارتلاند، وكانت تقضي وقتاً طويلاً في قراءتها.
وبحسب المؤلفة، ساهمت تلك الروايات في ترسيخ صورة مثالية للحب في ذهن ديانا، تقوم على فكرة البطل الغامض المنغلق عاطفياً الذي تكتشف البطلة في النهاية طريقها إلى قلبه وتنجح في تغييره.
وترى كاثرين ماير أن تشارلز بدا قريباً من هذا النموذج في بعض الجوانب، خصوصاً فيما يتعلق بتحفظه العاطفي وصعوبة التعبير عن مشاعره، الأمر الذي ربما دفع ديانا إلى الاعتقاد بأنها قادرة على اختراق تلك الحواجز العاطفية والوصول إلى قلبه، كما كانت بطلات الروايات المفضلة لديها يفعلن دائماً.
ومع اقتراب موعد الزفاف الملكي في صيف عام 1981، بدأت هذه الأحلام تواجه اختبار الواقع. ويكشف الكتاب أن ديانا أبلغت شقيقتيها قبل أيام قليلة من الزفاف برغبتها في التراجع عن الزواج، إلا أن الرد جاء بأن الوقت أصبح متأخراً للغاية، بعد أن تحولت المناسبة إلى حدث عالمي ينتظره الملايين.
كما يروي الكتاب أن بعض المقربين من الثنائي شعروا بالقلق من طبيعة العلاقة، خاصة بعد ملاحظتهم حالة التوتر الشديدة التي كان يعيشها تشارلز خلال الفترة التي سبقت الزفاف، ومن بين المواقف التي أثارت استغرابهم غضبه بسبب فقدان زر أكمام، قبل أن يتبين لاحقاً أن هذا الغرض يحمل قيمة عاطفية خاصة لارتباطه بهدية من كاميلا باركر بولز، وهي الحقيقة التي كانت ديانا على دراية بها.
وفي رؤيتها النهائية للعلاقة، تصف المؤلفة زواج ديانا وتشارلز بأنه لقاء بين شخصين يحمل كل منهما جراحه الخاصة وتوقعاته المختلفة، داخل مؤسسة ملكية كانت تواجه بدورها تحديات كبيرة في مواكبة التغيرات الاجتماعية المتسارعة.
وفي 29 يوليو 1981، وقف شاب وفتاة أمام أنظار العالم في زواج بدا وكأنه قصة خيالية مكتملة الأركان، لكنه تحول مع مرور الوقت إلى واحدة من أكثر القصص الإنسانية تعقيداً وتأثيراً في التاريخ الحديث.
وفي سياق الاهتمام المتجدد بسيرة الأميرة الراحلة، تصدرت ديانا مؤخراً مؤشرات البحث بعد الكشف عن مجموعة من الصور النادرة ومقتنيات شخصية تعود إلى سنوات دراستها، عُرضت ضمن مقتنيات صديقة طفولتها كاثرين هانبري، التي درست معها في مدرسة ويست هيث للبنات بين عامي 1973 و1977.
وتستعد دار مزادات جورينج البريطانية لطرح هذه المجموعة للبيع اعتباراً من 7 يوليو، حيث تضم أربع صور ملونة لم تُنشر سابقاً، بالإضافة إلى مراسلات شخصية بين ديانا وصديقتها.
وتظهر الصور الأميرة الراحلة في لحظات عفوية خلال سنوات الدراسة، إذ التُقطت صورتان لها داخل غرفتها، وصورة أخرى في محيط المدرسة، بينما تجمع الصورة الرابعة بينها وبين عدد من زميلاتها خلال استراحة تحت أشعة الشمس أمام مبنى المدرسة.
كما تتضمن المجموعة بطاقة تهنئة بعيد الميلاد كتبتها ديانا بخط يدها لصديقتها، ووقّعتها باسم “ديانا (S)” في إشارة إلى لقب عائلتها سبنسر.
وغادرت ديانا مدرسة ويست هيث عام 1977 وهي في السادسة عشرة من عمرها، وهو العام نفسه الذي التقت فيه بالأمير تشارلز للمرة الأولى، قبل أن تبدأ علاقتهما رسمياً عام 1980، ويتوج ارتباطهما بالزواج في 29 يوليو 1981.
وعقب الزفاف، أمضى العروسان شهر عسل استمر ثلاثة أشهر، بدأ برحلة بحرية استمرت 12 يوماً على متن اليخت الملكي “بريتانيا”، شملت مصر والجزر اليونانية، قبل الانتقال إلى قلعة بالمورال في أسكتلندا.
كما كشفت هانبري خلال الفترة الأخيرة عن رسالة خاصة كتبتها الأميرة ديانا خلال شهر العسل، عُرفت باسم “رسالة شهر العسل”، وتتألف من ثلاث صفحات مؤرخة في 27 سبتمبر 1981.
تحدثت ديانا في الرسالة عن سعادتها بالحياة الزوجية آنذاك، قائلة إنها أمضت شهر عسل رائعاً تحت أشعة الشمس، وإنها تستمتع بالإقامة في أسكتلندا حتى نهاية أكتوبر، مضيفة أنها تعشق قضاء الوقت في الهواء الطلق طوال اليوم، وتفضل الطبيعة على صخب العاصمة.
كما وصفت تجربة الزواج بأنها أمر رائع بعد مرور شهرين على ارتباطها، مشيرة في الوقت نفسه إلى أنها كانت لا تزال تتأقلم مع حياتها الجديدة داخل العائلة المالكة، ووصفت تلك التجربة بقولها إنها تشبه “اللعب مع الكبار”.
وأثارت عبارتها الشهيرة عن حبها للحياة المفتوحة والطبيعة اهتمام المتابعين، إذ يرى كثير من المراقبين أن اختلاف نظرتها للحياة عن نظرة تشارلز، وخاصة في ما يتعلق بتفضيل الريف والمدينة، كان أحد العوامل التي ساهمت لاحقاً في اتساع الفجوة بينهما وانتهاء زواجهما بالانفصال.

