بالمصادفة، وجدت على إحدى منصات عرض الأفلام فيلمًا بعنوان “سمكة وصنارة” تأليف محمد كرار، إخراج طارق عبدالمعطي، وإنتاج عام 2017. دفعني الفضول لمشاهدة الفيلم الذي صدر منذ ما يقرب من 10 سنوات، ولم أسمع به من قبل، ولا حتى صادفت مقالًا نقديًا عنه.

الفيلم من بطولة أمير صلاح الدين، كريم قاسم، ميس حمدان، رحمة حسن، والراحل الجميل أحمد حلاوة. تدور أحداثه حول تيمة النصابين الأذكياء، وهي موضوع تم استخدامه كثيرًا في أفلام عربية وأجنبية.

يمتاز الفيلم بحبكة ذكية وجذابة، ويحتوي على مواقف كوميدية عديدة تذكرك بكوميديا الأفلام المصرية التي أنتجت في بداية الألفية. تعتمد هذه الكوميديا على ضحك يكشف عن وجع شخصيات الفيلم بطريقة لا تصل إلى حدود الكوميديا السوداء. وهذا ما نفتقده حاليًا في غالبية الأعمال الكوميدية التي أصبحت تعتمد على محترفي حلب الإفيهات حتى لو تم ذلك باستخدام ألفاظ بذيئة وعبارات سوقية.

على مستوى التمثيل كان فريق العمل جيدًا، والإخراج متميز دون تعمد الفزلكة أو السعي لإيهام المشاهد بالعمق. لكن الفيلم للأسف سقط سقوطًا مدويًا في دور السينما؛ حيث تم عرضه لفترة محدودة وحقق إيرادات ضعيفة قد لا تغطي تكلفته، رغم أن إنتاج الفيلم كان بسيطًا ولا يحرق أموالاً في مشاهد مصطنعة لمجرد تحقيق الإبهار البصري المزيف.

عند مقارنة “سمكة وصنارة” مع العديد من الأفلام التي شاهدناها مؤخرًا، ستظهر المقارنة لصالح هذا الفيلم المظلوم بشرط استبعاد عنصر الميزانيات الضخمة وإسناد البطولة لنجم يتقاضى أجرًا بالملايين.

من هنا يتضح أن السينما المصرية ما زالت تتعامل بقسوة غريبة مع الأفلام التي تحاول كسر القواعد التجارية المتعارف عليها. ومن أهم هذه القواعد إسناد البطولة لنجم شباك حتى لو كان محدود الموهبة، وإنفاق ملايين الجنيهات على عناصر إبهار يعلم الجميع أنها لا تمثل قيمة مضافة حقيقية للفيلم كعمل فني.

اعتمد فيلم “سمكة وصنارة” على الإنتاج الجيد دون بذخ فارغ، وأسند البطولة لمجموعة من الفنانين ذوي الموهبة الحقيقية. ولكنهم للأسف ليسوا من نجوم الشباك في مصر، ولعل أبرزهم الفنانة رحمة حسن التي تتمتع بموهبة حقيقية وملامح هادئة لكنها اختفت منذ سنوات.

يبدو أن المنتجين قد انصرفوا عنها لسبب ما وتوقفوا عن ترشيحها لأعمال جديدة. ورغم أنها تمتلك حضورًا وموهبة تلقائية أفضل بكثير من بعض نجمات نفخ الشفاه اللاتي يتم فرضهن علينا في عشرات الأعمال كل سنة!

جمهور السينما في مصر قاسٍ للغاية؛ فقد وضع دون اتفاق عدة معايير والويل لمن يفكر في تجاوز تلك المعايير التي ليس من بينها قيمة العمل الفنية.

والمؤلم فيما حدث لفيلم “سمكة وصنارة” أن فشله التجاري كان سببًا لتوقف مؤلفه ومخرجه عن العمل. ربما كان التوقف اختيارًا منهم بسبب الإحباط وربما -وهذا هو الأقرب- كان قرارًا من صناع السينما الذين لا يأمنون لكاتب أو مخرج قدم عملاً لم يصادفه النجاح حتى لو كان ذلك بسبب عوامل السوق والمنافسة أو حتى سوء الحظ!

أيا كانت الأسباب، الثابت وفق البحث أن محمد كرار مؤلف “سمكة وصنارة” لا توجد أعمال فنية منسوبة له كمؤلف منذ 2017 وحتى الآن. ونفس الأمر ينطبق على المخرج طارق عبدالمعطي الذي لم أجد عملاً واحدًا يحمل توقيعه خلال نفس الفترة.

يبدو أن “سمكة وصنارة” ينضم لقائمة الأفلام التي قتلت أصحابها رغم موهبتهم الواضحة ورغم أن الفيلم نفسه يُعتبر جيدًا بمقاييس الأفلام الكوميدية الخفيفة وليس بمقاييس موظفي شباك التذاكر الذين لا يهتمون بالفيلم لانشغالهم بحصر أعداد التذاكر المباعة وإضافة ثمنها لحساب المنتج!