في مثل هذا اليوم من عام 2016، أفرجت حكومة ميانمار عن البيانات المؤجلة للتعداد السكاني الخاص بالدين والعرق بعد تأخير دام عامين كاملين، ليكشف النقاب رسميًا عن تحولات ديموغرافية حادة في البنية السكانية للبلاد. حيث أظهرت الأرقام المعلنة تراجعًا ملحوظًا في نسبة المسلمين، لتسجل الأوراق الرسمية ما حذرت منه التقارير الدولية لسنوات؛ وهو أن موجات العنف الممنهج والاضطهاد والتشريد القسري تركت أثرًا عميقًا ومباشرًا على الوجود الإسلامي في البلاد.

أزمة المسلمين في بورما

وتعود جذور الأزمة إلى عام 2014 عندما أجري التعداد السكاني الشامل بدعم من الأمم المتحدة لأول مرة منذ ثلاثة عقود. غير أن السلطات البورمية امتنعت وقتها عن نشر المعطيات الخاصة بالتركيب الديني والإثني. واستجابت الحكومة لحملات الضغط والاحتجاجات القومية، لكنها في الوقت نفسه منعت أبناء أراكان من تسجيل هويتهم الوطنية، واشترطت تسجيلهم كبنغاليين باعتبارهم غرباء أو مهاجرين، مما أدى إلى تجريدهم من الحقوق السياسية والمواطنة ودفع الملايين لرفض المشاركة أو الخروج من حسابات الإحصاء.

أزمة إقليم أراكان

ويتكون إقليم أراكان تاريخيًا من مجموعتين رئيسيتين؛ الروهينجا “المسلمون” وهم أبا عن جد من سكان أراكان المسلمين، يمتد وجودهم التاريخي بالمنطقة لعدة قرون منذ عهد مملكة أراكان المستقلة قديمًا. ويتحدثون لغة قريبة من اللهجة البنغالية بحكم المجاورة الجغرافية، بينما يمثل الراخين “البوذيون” الأغلبية العددية والسياسية المدعومة من السلطة المركزية في ميانمار.

وجاء الإعلان عن البيانات في 2016 ليؤكد أن انخفاض الأعداد لم يكن مجرد تصحيح رقمي، بل نتيجة تراكمية لسنوات من التهجير القسري والفرار الجماعي نحو الحدود البنجلاديشية ودول الجوار. واعترفت الأرقام الحكومية بوجود مئات الآلاف غير المحسوبين في ولاية أراكان بسبب الظروف الأمنية، وهو ما اعتبرته المنظمات الحقوقية محاولة لشرعنة محو الهوية وتقليل النسبة الفعلية للمسلمين لصالح الأغلبية البوذية وتجريدهم من حقوقهم التاريخية والأهلية.

وشكل هذا التعداد محطة فارقة لكشف تداعيات الموجة الأعتى من عمليات التطهير العرقي التي اندلعت في عام 2017 وأدت إلى تهجير أكثر من ثلاثة أرباع مليون شخص من الروهينجا. ليظل إفراج 2016 عن بيانات الدين والعرق وثيقة تاريخية وشاهدًا رسميًا على أزمات التهجير القسري وتغيير الخريطة الديموغرافية لأقليات جنوب شرق آسيا.