صافرة النهاية في مباراة مصر والأرجنتين لم تكن مجرد إعلان لخروج الفراعنة من كأس العالم 2026، بل كانت بداية عاصفة من الأسئلة.

أسئلة لم تتوقف عند قرارات الحكم التي أثارت غضب الجماهير، ولا عند الحالات التحكيمية التي رأى كثيرون أنها حرمت المنتخب المصري من حقه، وإنما امتدت إلى سؤال أكبر ظل يطارد كرة القدم العالمية منذ سنوات.

العدالة والمصالح

في غضون ساعات، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصة اتهام واسعة، وخرج محللون ولاعبون سابقون وجماهير من مختلف الدول يتحدثون عن ظلم تحكيمي. بينما ذهب آخرون إلى ما هو أبعد، معتبرين أن كرة القدم أصبحت أسيرة الحسابات الاقتصادية والتجارية، وأن الأسماء الكبرى أصبحت تمثل استثمارات بمليارات الدولارات، لا مجرد لاعبين داخل المستطيل الأخضر.

ورغم أن هذه الآراء تعبر عن انطباعات أصحابها، فإن التاريخ القريب للاتحاد الدولي لكرة القدم يمنح هذه الشكوك أرضية للنقاش. لا لأنها تثبت وجود مؤامرة في مباراة بعينها، وإنما لأنها تؤكد أن المؤسسة التي تدير اللعبة الأكثر شعبية في العالم ليست بعيدة عن الفساد.

فيلم نتفليكس يفتح الجراح القديمة

قبل أربع سنوات فقط، أعادت منصة «نتفليكس» فتح الجراح القديمة من خلال مسلسلها الوثائقي «حقيقة الفيفا: كرة القدم والمال والسلطة» (FIFA Uncovered).

لم يكن العمل مجرد فيلم وثائقي عن كرة القدم، بل كان تحقيقًا استقصائيًا يعيد سرد واحدة من أكبر فضائح الفساد الرياضي في التاريخ. تناول الفيلم الرشاوى وغسل الأموال وشراء الأصوات وتلاعب بحقوق البث، بالإضافة إلى الاتهامات التي طالت أعلى المناصب داخل الاتحاد الدولي.

استند الفيلم الوثائقي إلى وقائع وتحقيقات رسمية هزت العالم وكشفت كيف تحولت كرة القدم بالنسبة لبعض المسؤولين إلى تجارة تدر مليارات الدولارات. بينما أصبحت قرارات مصيرية تُصنع داخل الغرف المغلقة لا داخل الملاعب.

زلزال زيورخ

الفيلم يستحضر أحداث مايو 2015 حينما استيقظ العالم على مشهد غير مسبوق؛ فالشرطة السويسرية تداهم فندقًا فاخرًا في مدينة زيورخ وتعتقل عددًا من كبار مسؤولي الفيفا بناءً على طلب السلطات الأمريكية.

كانت تلك اللحظة بداية سقوط واحدة من أكثر الإمبراطوريات الرياضية نفوذًا أو ما أطلقوا عليها إعلاميًا زلزال زيورخ.

وكشفت التحقيقات الأمريكية عن شبكة فساد امتدت لعقود شملت اتهامات بالابتزاز والاحتيال وغسل الأموال وتلقي رشاوى بمئات الملايين من الدولارات مقابل منح حقوق البث والتسويق وتنظيم البطولات.

ولم تتوقف التداعيات عند الاعتقالات بل انتهت بإبعاد شخصيات كانت لعقود تتحكم في مصير كرة القدم العالمية مثل جوزيف بلاتر وميشيل بلاتيني.

عندما تتحول الكرة إلى صناعة

لم يعد كأس العالم مجرد بطولة؛ إنه مشروع اقتصادي عملاق تشمل حقوق بث بمليارات الدولارات ورعاة عالميين وإعلانات وسياحة وتسويق.

وفي عالم تتحرك فيه هذه الأموال الضخمة يصبح الحديث عن تضارب المصالح أمرًا مشروعًا حتى لو لم يكن دليلًا على وجود تلاعب في مباراة بعينها.

ولهذا فإن كل قرار تحكيمي مثير للجدل في مباراة كبرى يعيد إلى الأذهان السؤال الذي لم يمت منذ فضائح عام 2015: هل تغير الفيفا فعلًا؟ أم تغيرت فقط الوجوه؟

الكتاب الأخضر وتصريحات القذافي عن فساد الفيفا

كان القذافي قد عبّر عن كرهه لـ”الفيفا” التي تحدث عنها في كتابه “الأخضر”، وعن الفساد الذي يميزها. ويرى أن المنافسات الكروية عبارة عن ألعاب وهمية للحصول على المال. ووصف كأس العالم بأنها سوق للعبيد والاتجار في البشر حيث يتم شراء اللاعبين وبيعهم من دولة إلى أخرى ومن نادٍ إلى آخر. مشيرًا في أكثر من مناسبة إلى أنه من الأفضل توظيف الأموال التي تصرف على كرة القدم في محاربة الفقر والمرض والمحافظة على البيئة.

في يونيو 2010 ألقى القذافي خطابًا شهيرًا وصف فيه الفيفا بأنها “مافيا عالمية” ومؤسسة فاسدة تبتز الدول وتسيطر عليها قلة قليلة. هاجم سيطرة الدول الغنية فقط على تنظيم بطولات كأس العالم واقترح أن يكون لكل دولة الحق في الاستضافة بناءً على إمكانياتها وليس بناءً على شروط الفيفا التي وصفها بـ “الظالمة”.

مباراة مصر… وأسئلة لا تموت

ما حدث في مواجهة مصر والأرجنتين سيظل محل نقاش بين الخبراء والجماهير. قد يرى البعض أن الأخطاء التحكيمية جزء من اللعبة وقد يعتقد آخرون أن المنتخب المصري تعرض لظلم واضح. لكن المؤكد أن التاريخ الأسود للفيفا يجعل الثقة أصعب مما كانت عليه.

فعندما تكون المؤسسة نفسها قد اعترفت عبر التحقيقات الدولية بأن الفساد وصل إلى أعلى مستوياتها يصبح من الطبيعي أن تُقابل قراراتها بكثير من الشك.

<pربما لم يكن عنوان الفيلم الوثائقي «حقيقة الفيفا: كرة القدم والمال والسلطة» مجرد اسم لعمل على منصة نتفليكس، أو تصريحات الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي مجرد كلمات عادية؛ بل كانت اتهامات صريحة وربما أصبح "كشف المستور" هو العنوان الحقيقي لكل مرة تثير فيها مباراة كبرى سؤالًا عن العدالة.