يُعتبر هجوم محمد علي باشا على بلاد الشام عام 1831 نقطة تحول جوهرية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. لم يكن الهجوم مجرد حملة عسكرية عابرة، بل تجسيدًا للمشروع الإمبراطوري الذي قاده والي مصر الطموح لبناء دولة قوية تعتمد على التحديث العسكري والإداري، ومحاولة جادة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية للخلافة العثمانية.
تعددت دوافع محمد علي للهجوم على سوريا بين أسباب استراتيجية وأخرى اتخذت كذرائع مباشرة لإعلان الحرب:.
ومن أبرز الدوافع الاستراتيجية والاقتصادية:.
- تأمين الحدود الشمالية: اعتبر محمد علي أن أمن مصر القومي يبدأ من السيطرة على خطوط الدفاع الطبيعية في الشام.
- الموارد الطبيعية: كان هناك افتقار إلى الأخشاب اللازمة لبناء الأسطول المصري في غابات لبنان، بالإضافة إلى الحاجة إلى الفحم والمعادن.
- العنصر البشري: سعى لتجنيد الشوام لتعزيز صفوف الجيش المصري الناشئ.
من ناحية أخرى، حاول والي مصر التعويض عن خسائر حرب اليونان؛ إذ شارك محمد علي بجيشه وأسطوله في حرب الاستقلال اليونانية (معركة نافارين 1827) بناءً على طلب السلطان العثماني محمود الثاني. تكبدت مصر خسائر فادحة، ووعده السلطان بولاية الشام كتعويض، لكنه أخلف وعده وعرض عليه ولاية كريت المنكوبة، مما أثار حفيظة والي مصر.
أما السبب المباشر للهجوم على سوريا فكان فرار آلاف الفلاحين المصريين إلى الشام هربًا من التجنيد الإجباري والضرائب المرتفعة. رفض والي عكا، عبد الله باشا، إعادة هؤلاء الفلاحين بحجة أنهم رعايا عثمانيون يحق لهم العيش في أي جزء من الإمبراطورية، مما منح محمد علي الذريعة العسكرية لبدء الزحف. واتهم محمد علي والي عكا بأنه يحرض على إرسال المحاصيل المصرية التي كانت تُنقل إلى الشرق عبر شبه جزيرة سيناء؛ لأن هذا الأمر يضر بالموانئ المصرية التي يهتم بها محمد علي كثيرًا.
يُعتبر كتاب د. شناسي آلتونداغ “عصيان محمد علي باشا: المسألة المصرية (1831-1841)” (مؤسسة نماء للبحوث والدراسات، 2024) أول عمل تركي تناول هجوم محمد علي على سوريا استنادًا إلى مصادر ووثائق عثمانية. ترجم الكتاب إلى العربية الباحث الأكاديمي د. محمد عبد العاطي محمد. وقد استفاد المؤلف من العديد من وثائق الأرشيف العثماني في فترة كان تصنيف الوثائق فيها بدائيًا مقارنةً بالوقت الحالي.
يشير د. شناسي آلتونداغ إلى أن محمد علي لم يتردد في إظهار طموحاته ونياته تجاه سوريا قبل نحو 20 عامًا من هجومه عليها؛ ففي عام 1810 هرب والي الشام يوسف كنج باشا من والي صيدا سليمان باشا والتجأ إلى محمد علي، فتواصل الأخير مع الباب العالي وطلب إعادة يوسف باشا إلى منصبه. وعلى الرغم من عدم قبول الباب العالي لهذا الطلب، استمر محمد علي في إصراره على ذلك وهدد بأن يجعل ولاية عكا من نصيب ابنه طوسون باشا إذا لم يتم إرجاع يوسف باشا.
ذكر القنصل الفرنسي دروفتي –في اللائحة التي كتبها لحكومته عام 1811م– أن “محمد علي يريد ولاية سوريا وقد قال لي إنه مستعد لدفع ما بين سبعة إلى ثمانية ملايين قرش لخزينة السلطان للحصول عليها”. وبعد أن تغلب على أعدائه وعلى الاضطرابات الاقتصادية التي واجهته، زادت فكرة الاستقلال لديه وامتدت مطامعه حتى وصلت إلى سوريا.
بعد فترة دبر الأمير بشير مؤامرات بين الولاة في سوريا وأثار المشكلات الإدارية فيها، ثم التجأ مرة أخرى إلى محمد علي في يوليو 1822م وحرض أيضًا والي عكا عبد الله باشا ضد والي الشام درويش باشا مما أدى بهما إلى خطر فقدان حياتهما نتيجة هذا الصراع؛ لكن نتيجة للطلب القطعي الذي قدمه محمد علي للباب العالي عاد الاثنان مرة أخرى إلى منصبيهما، مما زاد نفوذ محمد علي وانتشاره في كل جانب وأوقع السلطان محمود الثاني ورجال الدولة العثمانية في قلق شديد.
كتب السلطان محمود الثاني بخطه على تقرير الصدارة الذي يتناول رسالة محمد علي التي يطلب فيها العفو عن عبد الله باشا:.
«وزيري! لقد اطلعت على هذا التقرير وأصبح لدي منظوري الهمايوني ولم يعد هناك شيء يقال بعد مناقشات رجال الدولة والخاصة ومباحثاتهم… إذا تمت الموافقة على إبقاء إيالة صيدا مع الوزارة له والعفو عنه سيكون هذا غير مناسب كثيرًا…».
تشير هذه الملاحظة إلى إدراك الباب العالي لطموحات محمد علي تجاه سوريا وعدم إمكانية الاعتماد عليه.
في عام 1825م وقع صراع بين حاكم لبنان الأمير بشير والشيخ بشير جنبلاط ولم يفوت محمد علي هذه الفرصة للتدخل في سوريا؛ إذ طلب مساعدة الأمير بشير. وبعد إعدام بشير جنبلاط والرؤساء المنتسبين لآل عماد أصبح لبنان تحت إدارة شخص واحد فقط هو الأمير بشير، وهي خطوة مهمة لاستعداد محمد علي للاستيلاء على سوريا.
ووفقًا لكلوت بك -مؤسس أول مدرسة للطب الحديث في مصر- فإن استيلاء محمد علي على سوريا كان ضروريًا لتحقيق فكرة إنشاء دولة كبيرة مستقلة على ضفاف النيل. إذ اعتبر أن الوضع العام للدولة ليس بمأمن يمكن حمايته من التعديات الخارجية وخاصة القادمة من السويس؛ لذا لا يمكن لمصر أن تكون مستقلة وآمنة ما لم تلحق إليها الحدود السورية.
كانت الظروف مواتية جدًا لاستيلاء محمد علي على سوريا عام 1831م حيث كان مركز الحكومة هناك ضعيفًا وكان هناك جماعات تعمل ضد بعضها بشكل شبه مستقل. وقد عمل محمد علي على تحريض هذه الجماعات المختلفة ضد بعضها البعض وتحقيق السيطرة عبر شبكة جاسوسية فعالة وواسعة النطاق. وتمكن أخيرًا من جذب الأهالي المسيحيين إليه بخلاف بعض المؤيدين الآخرين الذين نجح في استقطابهم حتى أصبح الأهالي في بعض مدن سوريا ينتظرون قدومه وكأنه المنقذ لهم.
قبل أن يتوجه نحو سوريا أعلن اضطراره لقتال عبد الله باشا الذي عصى السلطان عدة مرات وما زال يستخدم الآلات الموسيقية الخاصة بالإنكشارية التي ألغاها السلطان محمود الثاني، مؤكدًا أنه يسعى جاهدًا لتأديبه.
انطلقت الحملة العسكرية في أكتوبر 1831 بقيادة إبراهيم باشا، الابن الأكبر لمحمد علي والقائد العسكري المتميز، وتميزت بجاهزية عالية للجيش المصري المحدث وفق النمط الأوروبي. وبعد عدة أعوام من وجود القوات المصرية في سوريا وتدخل الحلفاء الأوروبيين عبر معاهدة لندن تم إجلاء القوات المصرية تمامًا يوم 19 فبراير 1841.

