لم تكن عودة الدكتور يوسف بطرس غالي إلى مصر وظهوره الأخير مفاجأة للكثيرين، فقد كانت أفكاره قد استقرت في شرايين الاقتصاد المصري. آخر تلك الأفكار كان الدعم النقدي، التي طرحها خلال عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، والتي دافع عنها وتبناها قبل أن يتراجع النظام عنها. كانت أفكار الدكتور غالي جريئة وصعبة على نظام بيروقراطي يميل إلى الهدوء والسكينة مثل نظام مبارك أن يطبقها. الآن عاد الأب الروحي لهذه الأفكار ليشيد بها وبكفاءة القائمين على تطبيقها.

كلما عاد اسم الدكتور يوسف بطرس غالي إلى الواجهة، انقسم المصريون إلى فريقين: فريق يعتبره أحد أفضل وزراء المالية الذين أنجبتهم الدولة المصرية، وفريق آخر يراه أحد أبرز رموز السياسات الاقتصادية التي مهّدت لغضب الشارع وانفجار ثورة يناير.

لا يمكن التعامل مع الرجل بمنطق الإدانة المطلقة أو البراءة المطلقة، لأن تجربته كانت أكثر تعقيدًا من أن تختزل في حكم واحد.

عندما تولى يوسف بطرس غالي وزارة المالية عام 2004، كانت مصر تواجه جهازًا ضريبيًا مترهلًا ومنظومة مالية تقليدية واستثمارات تحتاج إلى بيئة أكثر جذبًا. جاءت إصلاحاته لتعيد صياغة النظام الضريبي، وتخفض الضرائب مع توسيع القاعدة الضريبية، وتحديث الجمارك، وتبني الإدارة الإلكترونية. وقد أشادت المؤسسات الاقتصادية الدولية بهذه الخطوات وأسهمت في رفع معدلات النمو قبل عام 2011.

لكن الاقتصاد لا يقاس بالأرقام وحدها؛ ففي الوقت الذي كانت فيه التقارير تتحدث عن نمو تجاوز 7%، كان ملايين المصريين يشعرون بأن هذا النمو يمر من فوق رؤوسهم دون أن ينعكس على دخولهم أو مستوى معيشتهم. وهنا ظهرت الأزمة الحقيقية: اقتصاد يحقق مؤشرات جيدة لكنه يعجز عن إقناع المواطن بأن حياته أصبحت أفضل.

لم يكن يوسف بطرس غالي وحده مسؤولًا عن هذه المفارقة، بل كانت جزءًا من فلسفة اقتصادية كاملة آمنت بأن تحرير السوق وجذب الاستثمار سيقودان تلقائيًا إلى تحسين أحوال الجميع. بينما أثبت الواقع أن النمو إذا لم تصاحبه سياسات قوية لإعادة توزيع ثماره قد يزيد الفجوة بين الطبقات.

لهذا أصبح الرجل رمزًا لما عُرف آنذاك بـ«حكومة رجال الأعمال»، رغم أن كثيرًا من القرارات التي ارتبطت باسمه كانت صحيحة من الناحية الاقتصادية.

المفارقة الأكثر إثارة هي أن الزمن أعاد الاعتبار لعدد من أفكاره. فالدولة المصرية اليوم تتحدث عن الانضباط المالي وترشيد الدعم والتحول إلى الدعم النقدي والرقمنة الضريبية وتوسيع القاعدة الضريبية، وهي جميعها ملفات كانت ضمن أجندة يوسف بطرس غالي قبل أكثر من خمسة عشر عامًا.

هذا لا يعني أن الرجل كان على صواب في كل شيء، بل يعني أن الأفكار الاقتصادية لا تقاس بشعبية أصحابها بل بمدى صلاحيتها للتطبيق مع توفير الحماية الاجتماعية اللازمة.

سياسيًا لم يستطع يوسف بطرس غالي أن يفصل نفسه عن النظام الذي عمل داخله. فنجاح أي وزير لا يقاس بكفاءته الفنية فقط بل أيضًا بقدرته على إدراك المزاج العام وتحقيق التوازن بين الإصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. وهذا التوازن كان الغائب الأكبر في سنوات ما قبل يناير.

أما القضايا التي لاحقته بعد عام 2011 فقد انتهى عدد منها بأحكام قضائية بالبراءة، وهو ما يجب احترامه باعتباره عنوانا للحقيقة القانونية. لكن البراءة القضائية لا تنهي النقاش السياسي حول تجربة كاملة، كما أن النقد السياسي لا يجوز أن يتحول إلى إنكار لما تحقق من إصلاحات مؤسسية.

السؤال الحقيقي اليوم ليس هل كان يوسف بطرس غالي مخطئًا أم مصيبًا؟

السؤال هو: هل كانت مصر قبل عشرين عامًا مستعدة لتطبيق إصلاحات اقتصادية بهذا الحجم دون شبكة حماية اجتماعية قوية؟ وهل كانت المشكلة في السياسات نفسها أم في توقيتها وطريقة تنفيذها والبيئة السياسية التي أحاطت بها؟

ربما تكمن الإجابة في أن الاقتصاد لا يعيش بمعزل عن السياسة؛ فالقرار الاقتصادي الناجح يحتاج إلى شرعية مجتمعية وإلى شعور المواطن بأن نصيبه من ثمار الإصلاح محفوظ. وعندما يغيب هذا الشعور تتحول حتى القرارات الصحيحة إلى مصدر للغضب.

لهذا ستظل تجربة يوسف بطرس غالي واحدة من أكثر التجارب الاقتصادية إثارة للجدل في تاريخ مصر الحديث؛ رجل امتلك رؤية اقتصادية متقدمة في كثير من الملفات لكنه عمل داخل نظام أخفق في تحقيق التوازن بين كفاءة السوق ومتطلبات العدالة الاجتماعية. وبين الإشادة بإنجازاته وانتقاد سياساته يبقى الحكم النهائي للتاريخ الذي لا يكتفي بما تحقق في دفاتر الموازنة بل ينظر أيضًا إلى ما شعر به الناس في حياتهم اليومية.