تابعت اعتذار العالم الأمريكي المصري الدكتور عصام حجي للشعب المصري، موضحًا أنه راجع نفسه وارتأى أن اعتذاره واجب للمصريين، بعد أن توصل إلى قناعة بأن كل ما قيل عن جماعة الإخوان لم يكن صحيحًا، وأن مشاهداته ومتابعاته قادته إلى هذا اليقين.

عصام حجي هو واحد من العلماء البارزين في وكالة ناسا الأمريكية، وقد وُلِد خارج مصر وتعلم في جامعاتها، ونجح في تحقيق إنجازات كبيرة في الولايات المتحدة بفضل جهده وعمله الدؤوب. لقد حصل على فرصة للانضمام إلى واحدة من أهم المؤسسات الفضائية في العالم، حيث تخصص في أجهزة الرادار والموجات الكهرومغناطيسية وشارك في اكتشاف تفاصيل كوكب المريخ.

تستحق هذه المكانة العلمية التي وصل إليها حجي الفخر من كل مصري وعربي، فلا يمكن تجاهلها أو التقليل منها. فالعلم كالشمس لا يمكن حجبها أو إنكار وجودها، والاختلاف مع توجهات الدكتور عصام حجي أو مراجعاته لا يبرر التطاول عليه أو وصفه بما لا يتناسب مع مكانته العالمية.

إن مناقشة أطروحات الدكتور عصام حجي ومراجعاته حول الإخوان بحاجة إلى نقاش عقلاني يضع النقاط على الحروف. فقد أكد الدكتور أنه لم يكن منخرطًا في العمل السياسي، بل تفاخر -وهذا حقه- بأنه لم يتورط يومًا فيه. ومع ذلك، أطلق أحكامًا سياسية تعتبر الحقيقة الكاملة دون أن يميز بين ما يقرّه العلم وما تفرضه الرؤى السياسية حول قضية ما.

قال الدكتور حجي إنه اكتشف أن الإخوان لم يسرفوا في استهلاك الأطعمة بقصر الرئاسة بناءً على إفادة موظف بالقصر أثناء عمله مستشارًا علميًا للمستشار عدلي منصور. كما أشار إلى أن الجماعة لم تتورط في الدماء وأنهم ليسوا إرهابيين، مؤكدًا أن كل ما قيل عنهم هو أكبر عملية تضليل في العصر الحديث.

غير أن العالم الكبير نسي أن الشواهد التي عاشها المصريون، بما فيها مشاهد الدم واقتحام أقسام الشرطة والسجون وما جرى في كرداسة، هي أمور قانونية موثقة بالصوت والصورة وقد صدرت فيها أحكام قضائية نهائية. لعل الدكتور عصام ليس على دراية بالتاريخ وما جرى منذ نشأة الجماعة وتورطها في الدماء، مما جعل رأيه يبدو منقوصًا ومعارضًا للدراسات العلمية التي يجب أن تعتمد على منهج بحثي بعيد عن رؤية عاطفية جاءت تحت وطأة إحساسه بظلم النفي.

وحسب قول الدكتور حجي، فإنه لم يكن مهتمًا بالشأن العام وأن معظم إجازاته وزياراته لمصر كانت تتمحور حول الشواطئ والمطاعم الفاخرة. عندما قرر الانخراط فجأة في الشأن العام، بدا وكأن ما يقوله هو الحقيقة المطلقة رغم حداثته في هذا المجال! ومن حق الدكتور حجي أن ينتقد النظام القائم؛ فلكل شخص رؤاه الخاصة التي قد تتعارض مع الكثير من الملفات الآنية.

لقد جانبك الصواب يا دكتور عصام فيما جزمت به وتبرئتك لجماعة لم تنفِ عن نفسها أنها تستعد لحرب ودماء وقتل إذا لم يعودوا إلى الحكم كما كانوا. أشير هنا إلى ما قاله محمد البلتاجي على الهواء مباشرة مهددًا بأن سيناء لن تعود إلا بعودتهم إلى القصر.

وعتابي على الدكتور حجي أنه خلط بين موقعه العلمي الكبير ورؤيته السياسية السطحية باعتباره “مبتدئ سياسة” حسب وصفه هو وليس قولًا من عندنا. إن استغلال مقامك العلمي الكبير للاحتكار الحقيقة يتعارض مع عقل وفكر عالم يعرف الفرق بين المعادلات العلمية والطرح السياسي الذي يجب أن يُدرس بعناية.

كما أبدى الدكتور حجي تعاطفه مع قصة طالب بكلية هندسة القاهرة استضافه قبل 30 يونيو والذي تم القبض عليه بسبب انتمائه لجماعة الإخوان. وقد تواصل مع وزير الداخلية ومسؤولين كبار الذين تعاطفوا مع حالة الطالب باستثناء النائب العام الذي سخر من مطلبه.

لكن هل كان مطلوبًا من النائب العام إصدار قرار بالإفراج عن الشاب فقط لأن عالمًا كبيرًا يرى أنه بريء؟ وهل يستطيع الدكتور عصام التدخل لدى القضاء الأمريكي للإفراج عن شاب لمجرد أنه يراه بريئًا؟ وإذا استجاب النائب العام لتدخل سيادته وأفرج عن الشاب فهل سيرضي ذلك عصام حجي ويرى أن النظام القضائي في مصر عادل؟

شخصيًا لا أعرف الطالب الذي تحدث عنه الدكتور عصام وأتمنى له الحرية وألا يكون متورطًا في جريمة أدت لبقاءه سجينًا بعد صدور حكم ضده. أتمنى لكل سجين أو متهم الحصول على البراءة وفق الإجراءات القانونية المناسبة. أما المتورطون فلا ينبغي للدكتور حجي أن يكون وسيلة لهم حتى لو ترأس وكالة ناسا نفسها.

قال العالم الكبير إن العلم الذي لا يحارب الجهل والظلم لا فائدة منه. ونحن معه على الدرب نسير؛ ولكن عليك كعالم بارز أن تطبق المنهج العلمي عند الإدلاء برأيك بشأن قضية شائكة لتبرئة جماعة شهدنا بأعيننا جرائمها بالصوت والصورة وليس مجرد حديث عابر يمتد عبر التاريخ.

قبل الختام، أوجه رسالة لعالم بحجم الدكتور عصام حجي: تروَّ وادرس التاريخ جيداً وراجع محاضر المحاكم وأحكامها واعترافات الخارجين عن الجماعة نفسها قبل الإدلاء برأيك؛ لأن قولك وأنت بهذه المكانة قد يصيب قومًا بجهالة.