يترك بعض الفنانين بصمتهم من خلال أصواتهم، بينما يبرز آخرون بملامحهم، لكن طارق التلمساني كان له أثر فريد بعينيه، تلك العين التي ساهمت في خلق واحدة من أجمل الصور في تاريخ السينما المصرية. ورغم مواجهته للقدر بتجربة قاسية أفقدته نعمة البصر، تبقى أعماله شاهدة على موهبة استثنائية لم تنطفئ، حتى وإن غاب عنها الضوء.
وُلِد طارق التلمساني في أسرة ارتبط اسمها بتاريخ الفن المصري، فهو نجل مدير التصوير الكبير حسن التلمساني وابن شقيق المخرج الرائد كامل التلمساني. على الرغم من أن الانتماء إلى هذه العائلة الفنية كان مصدر فخر، إلا أنه جاء مع مسؤولية كبيرة؛ إذ كان مطالبًا بإثبات نفسه بعيدًا عن أسماء صنعت تاريخها بالفعل. وقد أكد نجاحه أنه جاء بموهبته واجتهاده وليس فقط بسبب انتمائه لعائلة فنية عريقة.
اختار التلمساني أن يبدأ رحلته من خلف الكاميرا حيث وجد شغفه الحقيقي في صناعة الصورة. كانت انطلاقته الاحترافية مع فيلم «يوسف وزينب» للمخرج محمد خان، ليبدأ بعدها برسم أسلوب بصري مميز جعله واحدًا من أبرز مديري التصوير في جيله. بفضل قدرته على توظيف الضوء واللون والزوايا لخدمة الدراما، أصبحت بصمته واضحة في كل عمل يشارك فيه.
خلال سنوات قليلة، ارتبط اسمه بعدد من أهم الأفلام في تاريخ السينما المصرية، وكان مدير التصوير وراء أعمال خالدة مثل «المواطن مصري»، و«عرق البلح»، و«أيام السادات»، و«بحب السيما»، وغيرها من الأفلام التي لم تحقق نجاحًا جماهيريًا فحسب، بل شكلت علامات بارزة في الذاكرة البصرية للمشاهد المصري والعربي بفضل رؤيته المختلفة وإحساسه العميق بالصورة.
ولم تتوقف موهبة طارق التلمساني عند إدارة التصوير؛ إذ قرر خوض تجربة التمثيل لينجح أيضًا أمام الكاميرا كما نجح خلفها. تميز بأدائه الهادئ وحضوره المختلف، حيث قدم شخصيات متنوعة تركت أثرًا لدى الجمهور وشارك في أعمال سينمائية وتلفزيونية عديدة مثل «السلم والثعبان»، و«قضية أمن دولة»، و«استغماية»، إلى جانب عدد من المسلسلات التي أكدت قدرته على تقديم أدوار مركبة بعفوية وإقناع.
كان حضوره على الشاشة الصغيرة لافتًا أيضًا؛ إذ شارك في أعمال درامية ناجحة مثل «لقاء على الهواء» و«لحظات حرجة»، وقدّم شخصيات اتسمت بالهدوء والعمق مستفيدًا من خبرته الطويلة في قراءة الصورة وفهم تفاصيل المشهد. هذا ما انعكس على أدائه كممثل ليصبح واحدًا من الفنانين الذين جمعوا بين الإبداع الفني أمام الكاميرا وخلفها.
لكن رحلة النجاح لم تستمر بنفس الوتيرة بعدما تعرض لأزمات صحية متلاحقة في العين بدأت تؤثر تدريجيًا على قدرته على العمل. مع مرور الوقت ازدادت معاناته حتى فقد بصره، في مفارقة إنسانية مؤلمة لفنان كرّس حياته للرؤية وصناعة الصورة. أصبح مطالبًا بالتأقلم مع واقع جديد بعيدًا عن الكاميرا التي عاش معها أجمل سنوات عمره.
ورغم قسوة التجربة، ظل اسم طارق التلمساني حاضرًا في وجدان الجمهور؛ لأن الفنان الحقيقي لا يقاس بما يمر به من محن بل بما يتركه من أثر. فقد رحلت عنه نعمة الإبصار ولكن أعماله لا تزال تنبض بالحياة وتُعرض حتى اليوم باعتبارها نماذج رفيعة في صناعة الصورة والتمثيل.
ويبقى طارق التلمساني واحدًا من أبرز صناع الصورة في تاريخ السينما المصرية ورمزًا لفنان آمن بأن الإبداع لا يرتبط بالشهرة وحدها بل بالشغف والإخلاص للمهنة. قد غابت عيناه عن رؤية العالم لكن العالم لا يزال يرى الفن من خلال الأعمال التي صنعها، لتظل حكايته شاهدًا على أن الضوء الحقيقي لا يسكن العين فقط بل يسكن الموهبة التي لا تنطفئ.

