بين جدران خشبية وأصوات أطفال اشتاقوا إلى مقاعدهم وكتبهم، تسعى مدرسة “أصدقاء فلسطين” لإعادة لمسة من الطفولة إلى قطاع غزة. بعد أشهر طويلة من التعليم داخل الخيام، حيث غابت أبسط مقومات الدراسة، تحولت هذه الفصول الصغيرة إلى مساحة تمنح مئات الأطفال الفلسطينيين فرصة للتعلم وتفتح أمامهم نافذة أمل في ظل واقع قاسٍ فرضته الحرب.

على مقعد دراسي خشبي، جلست الطفلة الفلسطينية سارة الحسني للمرة الأولى منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023. تمسك دفاترها وتنظر إلى السبورة والمقاعد المحيطة بها وكأنها تستعيد صورة قديمة لمدرستها التي غابت طويلاً، بحسب تقرير نشرته وكالة “شينخوا” الصينية.

تقول سارة، ابنة الـ12 عاماً: “عندما جلست على هذا المقعد شعرت بأنني عدت إلى المدرسة التي كنت أحبها قبل الحرب. طوال الأشهر الماضية كنا نتلقى الدروس داخل الخيام، لكن وجود صف حقيقي وسبورة ومقاعد يجعلني أشعر بأنني أعيش حياة طبيعية من جديد.”.

وتضيف سارة: “كنت أفتقد رؤية معلمتي وزميلاتي داخل فصل دراسي. اليوم أستطيع أن أكتب على السبورة وأن أركز في دراستي وأشارك في الأنشطة، وهذا يجعلني أكثر حماسًا للتعلم. أتمنى أن تعود جميع المدارس للعمل حتى يتمكن كل الأطفال من الدراسة داخل فصول مثل هذا الفصل، لأن المدرسة ليست مكانًا للتعليم فقط بل مكانًا نلتقي فيه بأصدقائنا ونشعر فيه بالأمان.”.

620 ألف طالب فلسطيني حرموا من التعليم المدرسي

تشير إحصائيات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة التي وثقها في وقت سابق من يوليو الجاري بمناسبة مرور ألف يوم على اندلاع الحرب، إلى أن جميع مدارس قطاع غزة تعرضت للاستهداف بشكل كلي أو جزئي.

ويضيف المكتب أن “أكثر من 620 ألف طالب وطالبة حرموا من التعليم المدرسي النظامي، فيما قتل أكثر من 20 ألف طالب.”.

أدت حرب الإبادة إلى دمار غير مسبوق طال المؤسسات التعليمية في قطاع غزة، حيث تعرضت 529 منشأة تعليمية للاستهداف، دمر منها 247 بشكل كلي و282 تعرضت لدمار جزئي. ولم يقتصر الدمار على منطقة بعينها بل امتد ليشمل كافة محافظات القطاع؛ لكن مدينة غزة كانت الأكثر تضرراً إذ دمرت آلة الحرب الإسرائيلية 72 مدرسة بالمدينة و7 جامعات بشكل كامل، بينما تضررت 119 مدرسة و7 جامعات أخرى بشكل جزئي.

في شمال غزة خرجت 55 مدرسة وجامعة عن الخدمة بشكل كلي بينما تضررت 40 مدرسة جزئياً. أما في خان يونس جنوب القطاع فكان الدمار واسعاً حيث طال 80 مدرسة وجامعة بشكل كلي وتضررت 64 مدرسة وجامعة جزئياً.

الهياكل الخشبية تفتح أبواب الأمل

بالعودة إلى تقرير وكالة “شينخوا” فقد جرى بناء مدرسة “أصدقاء فلسطين” باستخدام هياكل خشبية في تجربة تعد الأولى من نوعها في قطاع غزة وتعتمد على مقاعد خشبية أعيد تصنيعها بسبب النقص الحاد في مواد البناء والإمكانات اللازمة لإعادة إنشاء المدارس التقليدية.

تقول الطالبة سيلا الحداد ذات الـ12 عاماً وهي ترتب كتبها فوق الطاولة الخشبية قبل بدء الحصة لوكالة “شينخوا”: “الدراسة داخل الخيام كانت صعبة، فكنا نجلس على الأرض وأحيانًا كانت حرارة الجو أو الرياح تعيق متابعة الدروس كما لم تكن هناك مساحة كافية أو مقاعد تساعدنا على التركيز.”.

وتضيف سيلا: “اليوم أصبح بإمكاننا رؤية السبورة بوضوح والجلوس بشكل مريح وهذا يساعدنا على فهم الدروس بصورة أفضل. أشعر أن المدرسة عادت إلينا ولو بشكل مختلف.”.

حتى الأقلام أصبحت نادرة

استغرق بناء مدرسة “أصدقاء فلسطين” نحو شهرين رغم أن الخطة الأولية كانت تقضي بإنجازها خلال شهر واحد؛ ويعود تأخر التنفيذ إلى صعوبة توفير الأخشاب المناسبة بجانب الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي الذي أثر على أعمال التصنيع والإنشاء.

يقول مدير الإعلام في مؤسسة “وفاق” الإنسانية التي أنشأت المدرسة مصطفى الملاحي لـ”شينخوا”: “يستهدف المشروع توفير بيئة تعليمية أكثر استقرارا للأطفال بعد أشهر من اعتمادهم على نقاط التعليم المؤقتة داخل الخيام.” أقيمت المدرسة على مساحة تبلغ 400 متر مربع وتضم ستة صفوف دراسية يستوعب كل منها نحو 35 طالبًا، فيما يعتمد الدوام المدرسي على ثلاث فترات يوميًا بما يتيح الاستفادة من مرافق المدرسة واستيعاب أكبر عدد ممكن من التلاميذ.

رؤية فلسطينية لتوسيع التجربة

تخطط مؤسسة “وفاق” لإنشاء مدرسة مماثلة في حي النصر إذا توفرت الإمكانيات اللازمة ضمن رؤية فلسطينية لتوسيع التجربة وتوفير بدائل تعليمية في مناطق أخرى من قطاع غزة.

تقول المعلمة في مدرسة “أصدقاء فلسطين” نرمين خميس إن افتتاح المدرسة يمثل خطوة مهمة نحو إعادة الأطفال إلى بيئة تعليمية أقرب إلى المدارس النظامية. وتضيف أن الظروف التي فرضتها الحرب أثرت سلبًا على مسيرتهم التعليمية ورغم استمرار التعليم داخل الخيام فإن وجود صفوف دراسية حقيقية يمنح الأطفال شعورًا بالاستقرار ويشجعهم على التعلم.

وتتابع المعلمة قائلةً إن الحماس بدا واضحًا على وجوه التلاميذ منذ اليوم الأول إذ سارع كثير منهم لاختيار مقاعدهم وحمل دفاترهم والمشاركة في الأنشطة الصفية مما يعكس شوقهم للعودة إلى البيئة المدرسية. يؤكد متخصصون في قطاع التعليم أن توفير بيئة مدرسية مناسبة حتى بإمكانات محدودة يسهم في الحد من الآثار النفسية والاجتماعية للحرب على الأطفال ويساعدهم على الحفاظ على ارتباطهم بالتعليم لحين إعادة إعمار المدارس المتضررة وفق وكالة “شينخوا” الصينية.