أثارت سوريا خلافًا متصاعدًا بين إسرائيل وتركيا، عقب غارة إسرائيلية استهدفت قاعدة جوية سورية، مما أدى إلى تبادل الاتهامات حول الوجود العسكري التركي. وقد أصدرت إسرائيل تحذيرات لأنقرة من “مغامرات خطيرة”، بينما دعت تركيا إلى وقف الهجمات الإسرائيلية التي وصفتها بـ”المتهورة”. في الوقت ذاته، تعمل الولايات المتحدة على احتواء التصعيد ومنع تطوره إلى مواجهة أوسع.
جاء هذا التصعيد بعد يومين من قصف إسرائيل لقاعدة “أبو الظهور” الجوية في شمال غرب سوريا، حيث زعمت إسرائيل أن الضربة كانت تستهدف موقعًا كانت القوات التركية على وشك الانتشار فيه، وهو ما نفته أنقرة بشدة.
قاعدة أبو الظهور تُثير النزاع
أكدت إسرائيل أن دمشق كانت تستعد للسماح لقوات تركية بالانتشار في قاعدة “أبو الظهور”، رغم التحذيرات الإسرائيلية السابقة بأن مثل هذا الانتشار سيشكل تهديدًا لأمنها. من جهتها، نفت تركيا هذه الرواية وأكدت عدم وجود أي وفد عسكري تابع لها في القاعدة قبل أو أثناء الغارة.
وأوضح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لموقع “أكسيوس” الأمريكي أن بلاده أكدت لإسرائيل عدم وجود خطط لإنشاء قاعدة عسكرية تركية في أبو الظهور. وأضاف أن زيارة عسكريين أتراك للقاعدة قبل أيام من الضربة كانت تأتي في إطار “التعاون العسكري المستمر بين دمشق وأنقرة”، بما يتضمن التدريب وتبادل الخبرات.
أنقرة ترد على الاتهامات الإسرائيلية
في سياق متصل، أكدت وزارة الدفاع التركية عدم وجود أي وفد عسكري تركي في القاعدة الجوية السورية قبل الغارة أو خلالها. وشددت على أن أنقرة ستواصل دعم جهود سوريا لتطوير قدراتها العسكرية وبنيتها التحتية.
وأفادت مصادر لوكالة “رويترز” بأن مسألة الانتشار العسكري التركي في سوريا نُوقشت خلال اتصال هاتفي نادر بين وزير الخارجية السوري ورئيس جهاز الموساد الإسرائيلي رومان جوفمان في 14 أغسطس، أي قبل أيام من تنفيذ الغارة.
تحذير إسرائيلي مباشر لأردوغان
وفي تصعيد مباشر، حذر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من “جر تركيا إلى مغامرات خطيرة في سوريا” ومن “اختبار عزم إسرائيل على الدفاع عن نفسها”. يعكس هذا التحذير ارتفاع حدة التوتر بين أنقرة وتل أبيب بشأن الدور التركي المتزايد في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد.
تنافس نفوذ تركيا وإسرائيل في سوريا
تشترك تركيا وسوريا في حدود تمتد لنحو 900 كيلومتر، ولعبت أنقرة دورًا رئيسيًا خلال الحرب الأهلية السورية التي استمرت 13 عامًا، حيث دعمت فصائل معارضة للأسد وأرسلت قوات إلى الأراضي السورية لمواجهة جماعات كردية تعتبرها تهديدًا لأمنها القومي. أما بالنسبة لإسرائيل، فقد تحولت مخاوفها بشأن النفوذ التركي إلى أحد أبرز الملفات الأمنية الجديدة في سوريا بعد أن كانت إيران تمثل مصدر القلق الرئيسي لها خلال حكم الأسد.
تمكن مسلحون بقيادة أحمد الشرع من الإطاحة بنظام الأسد، فيما كان الشرع قائدًا سابقًا لفصيل مرتبط بتنظيم “القاعدة” قبل إقامة علاقات مع الولايات المتحدة.
إسرائيل تُكثف عملياتها داخل الأراضي السورية
منذ سقوط الأسد، شنت إسرائيل غارات متكررة داخل الأراضي السورية وسيطرت على مناطق في جنوب غرب البلاد مبررة تحركاتها بمخاوف أمنية مرتبطة بخلفية الحكام الجدد. كما تؤكد إسرائيل أن عملياتها تهدف أيضًا إلى حماية أبناء الطائفة الدرزية في سوريا وهي أقلية دينية لها وجود داخل إسرائيل.
تأتي هذه التطورات في وقت يحتل فيه الملف السوري مكانة بارزة ضمن النقاش السياسي الإسرائيلي قبيل الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر وسط استطلاعات تشير إلى صعوبة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في الاحتفاظ بالسلطة.
الولايات المتحدة تسعى لاحتواء التصعيد
في محاولة لمنع تحول الخلاف إلى مواجهة أوسع، تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على إنشاء آلية لخفض التصعيد بين الأطراف الثلاثة: إسرائيل وتركيا وسوريا. وصرح توم براك السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا بأن واشنطن تعزز آلية خفض التصعيد بعد وصف الضربات الإسرائيلية بأنها “تصعيد غير ضروري”.
كما صرح السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي بأن واشنطن تعمل على إرساء عملية لتخفيف التوتر موضحًا أن الآلية موجودة بالفعل ولكن تحتاج إلى تطوير وضمان استعداد جميع الأطراف للمشاركة فيها. واستبعد هاكابي احتمال وصول الوضع لمواجهة مباشرة بين إسرائيل وتركيا قائلاً إن البلدين “ليسا قريبين حتى من ذلك”.
دمشق ترفض مبررات تل أبيب
من جانبه أكد الوزير الشيباني أن “إسرائيل لا تملك مبررًا مشروعًا لقصف قاعدة أبو الظهور” مشددًا على عدم وجود أي نية لإنشاء قاعدة عسكرية تركية هناك أو نشر وجود عسكري تركي دائم بالموقع. وأضاف الوزير السوري أن “المنشأة كانت خالية تقريباً ولم تكن قد دخلت مرحلة التشغيل الكامل”.
وأشار الوزير السوري أيضًا إلى تقدم دمشق وتل أبيب نحو اتفاق أمني خلال محادثات استمرت عامًا بوساطة أمريكية قبل تراجع إسرائيل لاحقاً عن التزاماتها مما حال دون تنفيذ الاتفاق.
يضع التصعيد الأخير مستقبل التفاهمات الأمنية في سوريا أمام اختبار جديد وسط تنافس إقليمي متزايد على النفوذ داخل البلاد ومساعٍ أمريكية لمنع الخلاف بين إسرائيل وتركيا من التحول إلى مواجهة مباشرة.

