لم يكن خروج منتخب مصر الأول من دور الـ16 في كأس العالم 2026 أمام الأرجنتين “حامل اللقب” نهاية القصة، بل بداية قراءة جديدة لما قدمه “الفراعنة” في البطولة العالمية، ومؤشرًا واضحًا على تحول ضخم في شخصية منتخبنا وأهدافه المستقبلية.
فبعد أيام من الانتقادات التي طالت حسام حسن وجهازه الفني، جاءت نتائج الأرجنتين اللاحقة، وآخرها التفوق على إنجلترا في نصف النهائي بنتيجة (2-1)، لتفتح بابًا مهمًا للنقاش: هل كان منتخبنا سيئًا فعلًا؟ أم أنه اصطدم بأفضل منتخب في العالم، وقدم أمامه واحدة من أقوى مبارياته في السنوات الأخيرة؟
من السهل دائمًا الحكم على المباريات من خلال النتيجة النهائية، لكن كرة القدم الحديثة تُقرأ بطريقة مختلفة؛ فالمنتخبات الكبيرة تُقاس بقدرتها على المنافسة أمام كبار العالم، وليس فقط بعدد مرات الفوز.
ومنتخب مصر تحت قيادة حسام حسن لم يكن مجرد فريق يدافع طوال 90 دقيقة أمام الأرجنتين، بل لعب بشجاعة ووصل إلى مرمى بطل العالم أكثر من مرة، وأجبره على القتال حتى اللحظات الأخيرة من أجل حسم بطاقة التأهل.
اللافت أن كثيرًا من الأصوات عقب المباراة ركزت على أخطاء التبديلات أو بعض القرارات الفنية – وهو أمر مشروع ومتاح للنقاش واختلاف الآراء – وكأن الخسارة أمام منتخب بحجم الأرجنتين كانت نتيجة طبيعية لأخطاء المدرب فقط.
لكن استمرار الأرجنتين في إقصاء منتخبات من الصف الأول، ومن بينها إنجلترا بنفس السيناريو، يؤكد أن ما واجهه الفراعنة لم يكن منافسًا عاديًا، بل منتخبًا يعرف كيف يفوز حتى عندما يعاني.
هذه النقطة لا تعني أن حسام حسن لا يخطئ، أو أن الأداء كان مثاليًا؛ فكل جهاز فني يرتكب أخطاء، وكل مباراة تحمل تفاصيل قابلة للنقاش. كان من الممكن أن يدفع بالتبديلات الدفاعية مثل حسام عبد المجيد أو محمود صابر وتنجح الخطة فعليًا في إبطال مفعول عرضيات ليونيل ميسي ورأسيات الهجوم الأرجنتيني. لكن ما حدث هو درس لن ينساه العميد.
هناك زاوية أخرى تستحق التوقف عندها، وهي أن المنتخب المصري غيّر صورته الذهنية أمام العالم. فسنوات طويلة كان يُنظر إلى الفراعنة باعتبارهم فريقًا قويًا داخل القارة الإفريقية، لكنه يفتقد القدرة على مجاراة مدارس أوروبا وأمريكا الجنوبية في البطولات الكبرى.
أما في هذا المونديال، فقد ظهر منتخب مختلف؛ يمتلك شخصية واضحة ويؤمن بقدرته على المنافسة دون الدخول المباريات الكبرى بعقلية “تقليل الخسائر”.
وهو ما تطرقت له وسائل الإعلام الإنجليزية أمس في حسابها القاسي للألماني توماس توخيل مدرب الأسود الثلاثة. وكأنها تريد أن تقول له: “ليتك خسرت بشرف.. مثلما خسر الفراعنة من الأرجنتين”.
وعلقت صحيفة “ميرور” قائلةً: «هذا أمر مفجع. تبديلات توخيل تأتي بنتائج عكسية». أما صحيفة “تيليجراف” فواصلت هجومها على الألماني بعنوان: “ستستمر هذه الانتقادات لسنوات” في إشارة إلى غضبها من استمرار توخيل على رأس القيادة الفنية للإنجليز رغم أخطائه المستمرة.
الأهم من ذلك أن شخصية المنتخب لم تعتمد على لاعب واحد فقط؛ صحيح أن محمد صلاح يظل القائد والنجم الأول، لكن الفريق أظهر منظومة جماعية وانضباطًا تكتيكيًا.
كما أثبتت البطولة أن كتيبة الفراعنة بدأت تقترب من امتلاك هوية كروية واضحة تعتمد على الهجوم المنظم والقتال على الفوز مهما كان المنافس. بخلاف السنوات الماضية حيث كان المنتخب يتغير بتغير المدربين وتتبدل طريقة اللعب من معسكر إلى آخر.
أما الآن فهناك ملامح ثابتة يمكن تطويرها وهو أمر يمثل أساس أي مشروع ناجح على المستوى الدولي.
ومن الزوايا المهمة أيضًا أن هذا المونديال منح اللاعبين المصريين خبرة لا تُقدر بثمن؛ فاللعب تحت ضغط الأدوار الإقصائية يصنع جيلًا أكثر نضجًا وثقة.
وتؤكد تصريحات حسام حسن بعد انتهاء كأس العالم أنه يدرك هذه الحقيقة جيدًا. وتبعث برسالة مطمئنة مفادها أن منتخب مصر لن يدخل كأس الأمم الإفريقية المقبلة مرشحًا للمنافسة فقط، بل سيدخل تصفيات ومونديال 2030 وهو يمتلك طموحًا مشروعًا للذهاب إلى أبعد مما حققه في 2026.

