عرفه علام.

الأربعاء 01/يوليو/2026 – 10:53 ص 7/1/2026 10:53:43 AM .

حين تتحول المصالحة إلى جباية، يفشل القانون قبل أن يبدأ
كان قانون التصالح على مخالفات البناء أملاً في “صفحة جديدة” بين الدولة والمواطن
أمل أن ينام المواطن المخالف قرير العين، وأن تدخل الخزينة مليارات، وأن تتوقف مأساة الإزالات
لكن الأمل تبخر حين وصل “جواب التقدير”
ورقة فيها رقم فلكي مكتوب بخط بارد: “رسوم تحسين: 150 ألف جنيه”
في تلك اللحظة مات القانون في قلوب الناس، قبل أن يموت في أروقة المحاكم
لأن رسوم التحسين، كما تُطبق اليوم، ليست “تعديل وضع” بل “إعلان الإنتقام من المواطن المخالف”
ومن هنا بدأ فشل القانون.. من أول بند، ومن أول ورقة
ما هي رسوم التحسين.. ولماذا هي القنبلة الموقوتة؟
1. تعريف نظري براق.. تطبيق عملي قاتل
القانون يقول: “رسوم تحسين تُفرض مقابل زيادة قيمة العقار بعد التصالح وتوصيل المرافق”
كلام منطقي على الورق. لكن على الأرض؟ خدعة
2. حسابات فلكية بلا سقف ولا منطق
اللجنة تضرب: سعر المتر التقديري × المساحة × معامل تميز × معامل زمن × معامل موقع
النتيجة: شقة سعرها السوقي 700 ألف جنيه يُطلب لها 220 ألف “تحسين”
أي 31% من قيمة الشقة “غرامة تحسين” لم يرها أحد ولم تتحقق على الأرض
3. “التحسين” الوهمي
المواطن يسأل سؤالاً بسيطاً: “أين التحسين؟”
الشارع مكسر، الصرف يغرق، الكهرباء تنقطع، لا مدرسة ولا مستشفى
فأي تحسين هذا الذي يدفع ثمنه مقدما، وبأثر رجعي 20 سنة؟
ثانياً: كيف تقتل رسوم التحسين القانون في المهد؟ 5 طعنات قاتلة
1. الطعنة الأولى: قتلت الإقبال على التصالح
الهدف من القانون كان “تحصيل مليارات وتقنين أوضاع”
لكن بـ 150 ألف على شقة، و300 ألف على بيت، المواطن بهذا الشكل لن يتصالح
النتيجة: خزينة الدولة خسرت، والبيوت المخالفة كما هي، والقانون حبر على ورق. فشل ذريع
2. الطعنة الثانية: ضربت مبدأ العدالة في مقتل
الغني يدفع ويتصالح ويأخذ نموذج 10. الفقير لا يملك فيهرب ويعيش مهدداً بالإزالة
والموظف الغلبان، صاحب 3 شقق لعياله، هو من يُذبح في النص
قانون كان يجب أن يوحد الناس، فرق بينهم طبقات: “قادر” و”مذلول”
3. الطعنة الثالثة: فتحت أبواب الفساد على مصراعيها
حين يكون الرقم بيد “اللجنة” بلا ضوابط يصبح كل شيء بالواسطة
الغني ينزل له التحسين من 200 ألف إلى 30 ألف وابن الغلبان يدفع كاملاً
فالقانون الذي جاء لمحاربة الفساد صار مصنعاً جديداً له
4. الطعنة الرابعة الثقة بين الدولة والشعب
المواطن كان يظن أن الدولة تريد “الحل” فاكتشف أنها تريد “التقليب”
تحول شعار “اتصالح” إلى “احذر.. الفخ” وفقد الناس الثقة ومن فقد الثقة فقد كل شيء
5. الطعنة الخامسة: هددت الاستقرار الاجتماعي
رجل باع أرضه وبنى بيتاً لعياله اليوم يُطلب منه بيعه كله ليدفع التصالح
فماذا يفعل؟ يبيع ويتشرد أم يرفض وينتظر الإزالة؟
حين تُخير الناس بين التشرد والسجن فاعلم أن القانون دخل في منطقة الخطر
ثالثاً: من الذي أشعل الفتيل؟ أخطاء تشريعية وتنفيذية
1. خطأ المشرع: قانون بلا سقف
المشرع ترك “رسوم التحسين” مفتوحة بلا حد أقصى وبلا معايير واضحة وبلا استثناءات إنسانية
فسلم رقبة المواطن لسكين “السلطة التقديرية” المطلقة وهذه بداية أي كارثة
2. خطأ اللجان: موظف لا يرحم
لجنة تنزل ساعة وتقدر سعر المتر من مكتبها ولا ترى واقع الشارع ولا حال الأهالي
فتكتب رقماً وهي جالسة ويتحمل المواطن وزر الرقم وهو يبكي
3. خطأ التوقيت: بأثر رجعي ظالم
تحاسبني اليوم بأسعار 2026 على مخالفة بنيتها سنة 2008 حين كان المتر بـ 300 جنيه؟
هذا ليس قانوناً.. هذا “سفر عبر الزمن لتعذيب الناس”
رابعاً: الحل.. إنقاذ القانون قبل دفنه
القانون فكرته صحيحة لكن “رسوم التحسين” هي السم في العسل والإنقاذ ممكن بـ 5 قرارات:
1. وضع سقف عادل فوري
ألا تتجاوز رسوم التحسين 10% من القيمة السوقية الفعلية للعقار وبحد أقصى 60 ألف جنيه للوحدة السكنية
2. إعفاء كامل لثلاث فئات
السكن العائلي في القرى والأرامل وأصحاب المعاشات وذو الهمم.
من لا يملك قوت يومه لا تطالبه بثمن “تحسين وهمي”
3. ربط الدفع بالخدمة الفعلية
لا رسوم تحسين إلا بعد تنفيذ المشروع رصف صرف إنارة.
الدفع يقابله تحسين فعلي
4. لجنة تظلمات مستقلة وسريعة
لجنة ترد خلال 30 يوم ولها صلاحية خفض الرسوم بنسبة تصل إلى 70% إذا ثبتت المبالغة.
بدون هذه اللجنة سيهرب الناس إلى المحاكم ويغرق القانون في القضايا.
5. تقسيط مريح بلا فوائد
قسط على مدى عشر سنوات مع خصم يصل إلى 40% من الإجمالي عند الدفع نقداً.
<بهذه الطريقة تكسب الدولة أموالها ويكسب المواطن كرامته.

أيها المسؤولون.. قانون التصالح يقف اليوم على مفترق طرق طريقان لا ثالث لهما:
.

الطريق الأول طريق.