شرفتني الهيئة الوطنية للصحافة بأن أكون أحد كُتّاب أحدث إصداراتها، الذي صدر بمناسبة احتفال مصر بذكرى ثورة 30 يونيو، وهو كتاب “رجل الأقدار”، الذي يوثق مسيرة الرئيس عبدالفتاح السيسي من حي الجمالية إلى قصر الاتحادية.

يوثق هذا الكتاب فترة مهمة من تاريخ مصر، وهي الفترة التي تخلصت فيها الدولة المصرية من حكم جماعة الإخوان المسلمين، حيث تولى بعدها الرئيس عبدالفتاح السيسي مسؤولية إدارة البلاد، ليبدأ عصر الجمهورية الجديدة. يسرد الكتاب سيرة القائد ليكون وثيقة تاريخية مهمة تسجل للأجيال القادمة ما شهدته مصر في تلك المرحلة الفارقة.

لقد خُصص لي أصعب جزء في هذا الكتاب، وهو تناول حياة الرئيس عبدالفتاح السيسي منذ دخوله المؤسسة العسكرية بعد حصوله على الشهادة الإعدادية من مدرسة السلحدار، والتحاقه بأول مدرسة ثانوية عسكرية جوية في تاريخ مصر، ثم التحاقه بالكلية الحربية وتخرجه ضابطًا بالقوات المسلحة. يتناول الكتاب مسيرته العسكرية حتى أصبح قائدًا عامًا للقوات المسلحة ثم رئيسًا لجمهورية مصر العربية والقائد الأعلى للقوات المسلحة.

أعتقد أن هذه الفترة كانت من أصعب الفترات في الكتاب، لأنها تحاول أن تشرح للقارئ المدني كيف كان الشاب عبدالفتاح السيسي يحلم منذ صغره بأن يكون أحد أبناء القوات المسلحة، وكيف تحولت هذه الأمنية إلى واقع.

أذكر هنا، من واقع معرفتي الشخصية، أننا خدمنا معًا في كتيبة مشاة، حيث كان الملازم أول عبدالفتاح السيسي ضابط استطلاع الكتيبة بينما كنت أنا المقدم سمير فرج قائدًا لها. خلال عامين من العمل المشترك، أتيحت لي الفرصة للتعرف على الكثير من تفاصيل حياته الشخصية التي كان يرويها لنا بنفسه.

كانت البداية كما كان يحكي عندما حصل على الشهادة الإعدادية من مدرسة السلحدار وذهب ليرى اسمه بين الناجحين. التقى بأحد زملائه الذي قال له:.

«مبروك.. إحنا نجحنا. هل تعلم أن القوات المسلحة أعلنت عن افتتاح أول مدرسة ثانوية عسكرية جوية لمدة ثلاث سنوات وبعدها يلتحق الطالب بالكلية الحربية؟».

شعر الشاب عبدالفتاح السيسي بأن حلمه بدأ يتحقق فهو سيدخل المؤسسة العسكرية من أوسع أبوابها لتكون تلك أول خطوة نحو تحقيق حلم الطفولة بأن يصبح ضابطًا في القوات المسلحة.

عاد عبدالفتاح إلى منزله فوجد الأسرة في انتظاره للاحتفال بنجاحه في الشهادة الإعدادية، وكانت والدته أكثرهم سعادة حيث كانت ترى فيه أقرب أبنائها إليها. لكن في الوقت نفسه بدأت الحيرة تتسلل إلى ذهنه حول كيفية إقناع أسرته بالالتحاق بمدرسة داخلية وهو الذي لم يبتعد عنهم يومًا.

في المساء اجتمعت الأسرة حول مائدة العشاء وبعد أن انتهوا من الطعام وأدوا صلاة العشاء جماعةً، جلس عبدالفتاح بجوار والده الحاج سعيد السيسي وظل صامتًا للحظات ثم قال له:.

«يا حج… سمعت إن الجيش فتح مدرسة ثانوية جوية جديدة والدراسة فيها ثانوية عامة كاملة ومعها مواد عسكرية وبعدها أقدر أقدم في أي كلية عسكرية وأنا نفسي أقدم فيها… حلمي منذ زمان أن أصبح ضابط جيش.».

لم يكن يتوقع رد والده حيث ساد الصمت للحظات ثم ابتسم الحاج سعيد وقال له:.

«مبروك يا عبدالفتاح… روح قدم بكرة.».

أما والدته فقد غلبتها مشاعر الأم وقالت له:.

«هتعيش بعيد عننا؟ مين هيأكلك ويشربك؟ مين هياخد باله منك؟».

فتدخل الأب قائلًا:.

«ثقي في ربنا يا حاجة… هو هيبقى في إيدين القوات المسلحة. هناك كل حاجة بنظام… الأكل والرياضة والدراسة كلها حاجات عبدالفتاح بيحبها وهيرجع لنا راجل جديد مسلح بالعلم والانضباط.».

وفي صباح اليوم التالي ذهب عبدالفتاح إلى مدرسة السلحدار واستخرج أوراقه ثم توجه إلى مكتب التقديم في مصر الجديدة حيث قدم أوراق الالتحاق بالمدرسة الثانوية الجوية.

لم يكن يعلم في ذلك اليوم أن تلك اللحظة ستكون أول خطوة رسمية في رحلته العسكرية وأنه سيصبح أحد أفراد الدفعة الأولى في تاريخ هذه المدرسة.

بدأت مرحلة جديدة في حياته خاض خلالها اختبارات الكشف الطبي والاختبارات الرياضية واجتازها جميعًا بنجاح ليلتحق بالمدرسة في سبتمبر عام 1970.

مرت سنوات الدراسة الثانوية بانضباط شديد وتميز خلالها بالرياضة والرماية ثم حصل على الثانوية العامة وتقدم للالتحاق بالكلية الحربية واجتاز جميع الاختبارات بنجاح حتى تم قبوله رسميًا في سبتمبر عام 1974 ضمن الدفعة 69 حربية.

مرت ثلاث سنوات داخل الكلية الحربية كان خلالها الطالب عبدالفتاح السيسي نموذجًا للانضباط والتفوق فحصل على تقدير امتياز خلال السنوات الثلاث وحافظ على مكانه بين العشرة الأوائل وتميز في اللياقة البدنية والرماية ومادة التكتيك التي حصل فيها على الدرجة النهائية.

كان ذلك سببًا لاختياره رقيب أول طلبة ثم مساعد سرية وهو منصب لا يناله إلا المتفوقون.

جاء يوم التخرج واختار عبدالفتاح السيسي سلاح المشاة وهو السلاح الذي كان يرغب في الالتحاق به نظرًا لتفوقه في مواد التكتيك والرماية واللياقة البدنية.

وبانتهاء سنوات الدراسة بدأت مرحلة جديدة من حياته… مرحلة الضابط المقاتل الذي حمل على عاتقه مسؤولية الدفاع عن الوطن لتبدأ رحلة طويلة داخل القوات المسلحة انتهت به قائدًا عامًا للقوات المسلحة ثم رئيسًا لجمهورية مصر العربية والقائد الأعلى للقوات المسلحة.