في ظل تصاعد التوترات الأمنية والعسكرية في منطقة الخليج، تتجه الأنظار مجددًا إلى مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، لما يمثله من أهمية استراتيجية في حركة إمدادات الطاقة والتجارة الدولية. فالمضيق لا يمثل مجرد ممر مائي يفصل بين ضفتي الخليج، بل يعد نقطة ارتكاز رئيسية في حركة ناقلات النفط والغاز، مما يجعل أي تهديد لأمن الملاحة فيه قادرًا على إحداث تأثيرات سريعة تتجاوز حدود المنطقة إلى الأسواق العالمية.
تزداد حساسية المشهد مع استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وارتفاع مستوى الرسائل العسكرية والسياسية المتبادلة، في وقت تحاول فيه الأطراف تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة واسعة النطاق. وبينما تبدو الحرب الشاملة خيارًا مكلفًا لجميع الأطراف، فإن مجرد التلويح بإمكانية تعطيل حركة الملاحة أو استهداف ناقلات النفط كفيل بإثارة مخاوف الأسواق ورفع تكاليف التأمين والشحن، مما يضيف ضغوطًا جديدة على أسعار الطاقة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية مضيق هرمز بالنسبة لدول الخليج ومصر، ليس فقط باعتباره ممراً رئيسياً للطاقة، ولكن لارتباط أمنه باستقرار التجارة العالمية وحركة الملاحة البحرية. فضلاً عن الدور الذي يمكن أن تلعبه الممرات البديلة، وفي مقدمتها قناة السويس، حال حدوث اضطرابات تؤثر على طرق النقل الدولية.
الممرات الحيوية لنقل الطاقة عالميًا.
أكد العميد سمير راغب، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن مضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات الحيوية لنقل الطاقة عالميًا. مشيرًا إلى أن أي تصعيد عسكري أو أمني في المنطقة سيكون له تداعيات مباشرة على أسعار النفط والغاز وحركة الملاحة الدولية.
وأوضح راغب أن إغلاق المضيق بشكل كامل أمر يصعب تنفيذه عمليًا. إلا أن مجرد التهديد بتعطيل حركة الملاحة أو استهداف ناقلات النفط يمكن أن يثير مخاوف الأسواق ويدفع تكاليف التأمين البحري إلى الارتفاع.
وأشار الخبير العسكري إلى أن الأسواق لا تنتظر بالضرورة وقوع الإغلاق الكامل حتى تتفاعل مع الأحداث. إذ يكفي ارتفاع مستوى المخاطر الأمنية في منطقة حيوية للملاحة لدفع شركات الشحن والتأمين إلى إعادة تقييم حساباتها. وهو ما قد ينعكس في صورة زيادة تكاليف النقل والتأمين وبالتالي ارتفاع تكلفة وصول الطاقة والسلع إلى الأسواق.
وأضاف أن الولايات المتحدة وإيران تدركان حجم المخاطر المترتبة على الدخول في مواجهة مباشرة داخل مضيق هرمز. ولذلك تعتمد تحركاتهما الحالية بدرجة كبيرة على استعراض القوة والمناورات والوجود العسكري، في محاولة لفرض النفوذ وإيصال رسائل الردع دون الوصول إلى حرب شاملة يصعب التنبؤ بتداعياتها.
ويرى راغب أن طبيعة الصراع في المنطقة تغيرت. فلم تعد القوة العسكرية وحدها هي العامل الحاسم، بل أصبحت هناك أدوات أخرى تشمل الضغط الاقتصادي والتأثير في حركة الملاحة والرسائل السياسية واستعراض القدرات العسكرية. مما يجعل مضيق هرمز ساحة متشابكة تتداخل فيها الحسابات الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية.
الخليج ومصر أمام حسابات دقيقة
ولفت الخبير العسكري إلى أن دول الخليج تتابع أمن مضيق هرمز باهتمام كبير نظرًا للاختلاف المباشر بين استقرار المضيق وأسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية. فأي اضطراب في حركة الملاحة يمكن أن ينعكس سريعًا على تكلفة نقل النفط والغاز وعلى أسعار الطاقة في الأسواق العالمية.
وأوضح أن مصر تتابع بدورها تطورات أمن الملاحة في المنطقة نظرًا لأهمية استقرار حركة التجارة البحرية بالنسبة للاقتصاد المصري. فضلاً عن المكانة الاستراتيجية التي تتمتع بها قناة السويس باعتبارها أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
ومع زيادة المخاطر الأمنية في أي من طرق الملاحة الرئيسية تصبح قدرة الممرات البديلة على استيعاب جزء من حركة التجارة محل اهتمام كبير. إلا أن تحويل مسارات السفن لا يمثل حلاً سهلاً أو فورياً إذ يرتبط بتكاليف إضافية ومسافات أطول ومتطلبات أمنية ولوجستية مختلفة.
التأمين والشحن
وشدد راغب على أن تداعيات التوتر في مضيق هرمز لا تقتصر على أسعار النفط فقط بل تمتد أيضًا إلى قطاع النقل البحري والتأمين. حيث يمكن أن تؤدي زيادة المخاطر إلى ارتفاع قيمة التأمين على السفن والناقلات مما ينعكس في النهاية على تكلفة التجارة والطاقة.
وقد تتحول المخاوف من التصعيد إلى عامل ضغط على الأسواق حتى وإن لم تقع مواجهة مباشرة. لأن الأسواق بطبيعتها تتفاعل مع توقعات المخاطر قبل حدوثها. مما يجعل التصريحات والتهديدات والتحركات العسكرية جزءاً من المعادلة الاقتصادية بجانب تأثيرها الأمني والسياسي.
أكد الخبير العسكري ضرورة تعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي والاستعداد لمختلف السيناريوهات المحتملة نظرًا لطبيعة التوترات الحالية بما يساعد على الحد من تداعيات أي اضطرابات يمكن أن تؤثر على حركة الملاحة أو إمدادات الطاقة.
معركة نفوذ تتجاوز الميدان العسكري
وشدد سمير راغب على أن الصراع في مضيق هرمز لم يعد يعتمد فقط على القوة العسكرية بل أصبح معركة نفوذ واقتصاد ورسائل سياسية. موضحاً أن تطورات التوتر في المنطقة يمكن أن تنعكس سريعاً على الأسواق وسعر برميل النفط.
ويعكس ذلك طبيعة المضيق باعتباره نقطة تلتقي عندها المصالح العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية. فإيران تنظر إلى موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في حركة الملاحة كجزء من أدوات قوتها بينما تدرك الولايات المتحدة والدول الخليجية أهمية الحفاظ على حرية الملاحة واستقرار تدفقات الطاقة.

