تأتي توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بإطلاق منصة وطنية تفاعلية للشباب تحت رعايته، لتفتح مساحة جديدة أمام الأجيال الشابة للتعبير عن رؤاها وطرح أفكارها ومبادراتها. هذه الخطوة تحمل دلالات تتجاوز فكرة إنشاء منصة إلكترونية جديدة، حيث تؤكد على أن الشباب أصبحوا جزءاً أصيلاً من عملية صناعة المستقبل، وشركاء في مناقشة القضايا العامة واقتراح الحلول، وليسوا مجرد فئة تستهدفها برامج التأهيل والتدريب والتمكين.
تكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، مما جعل الشباب في قلب التحولات التكنولوجية والمجتمعية. وقد منحهم ذلك أدوات جديدة للتواصل والوصول إلى المعلومات وصناعة المحتوى والتعبير عن آرائهم. وفي المقابل، فرضت هذه التحولات تحديات كبيرة تتعلق بانتشار المعلومات المضللة وسرعة تداول الشائعات، مما يبرز الحاجة إلى بناء وعي قادر على التحليل والتحقق والتعامل مع الأحداث بعيداً عن الانفعال أو التلقي السريع.
تمكين الأجيال الجديدة.
تحويل أفكار الشباب إلى مبادرات ومشروعات حقيقية يمثل أحد أهم التحديات أمام أي تجربة تستهدف تمكين الأجيال الجديدة. فلا يكفي أن تتيح الدولة مساحة لعرض الأفكار، بل يجب أن يتبع ذلك وجود آليات واضحة لاختيار الأفكار الجادة وتطويرها ودعم أصحابها وربطهم بالجهات القادرة على تحويل هذه الأفكار إلى واقع ملموس يخدم المجتمع.
أكد الدكتور أحمد يحيى، الخبير الاستراتيجي، أن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بإطلاق منصة وطنية تفاعلية تحت رعايته تعكس رؤية واضحة تعتبر الشباب شريكاً أساسياً في صياغة مستقبل الدولة، وليس مجرد فئة مستهدفة ببرامج التمكين والتأهيل.
وأشار يحيى إلى أن المبادرة تحمل أهمية الانتقال من مرحلة الاستماع إلى الشباب إلى بناء مسار مؤسسي يستوعب أفكارهم ويمنحها فرصة حقيقية للوصول إلى أرض الواقع. وجود منصة وطنية بهذا الحجم يمكن أن يفتح المجال أمام طاقات وأفكار ربما لم تجد من قبل القناة المناسبة للوصول إلى مؤسسات الدولة.
أضاف أن مصر تمتلك جيلاً جديداً لديه قدرة كبيرة على الابتكار والتعامل مع التكنولوجيا والمتغيرات المتسارعة. الاستفادة من هذه القدرات تتطلب توفير بيئة تشجع على المبادرة وتكافئ الأفكار الجادة وتمنح الشباب فرصة التجربة والتعلم وتحمل المسؤولية.
التمكين الحقيقي يبدأ بتحويل الفكرة إلى واقع
أوضح الخبير الاستراتيجي أن التمكين الحقيقي للشباب يبدأ عندما يشعر الشاب بأن صوته مسموع وأن فكرته يمكن أن تتحول إلى مشروع أو مبادرة أو حتى سياسة عامة. وشدد على ضرورة وجود آليات واضحة لاختيار الأفكار الواعدة ومتابعة تنفيذها وقياس أثرها.
وأشار إلى أن التحدي لا يتمثل فقط في اكتشاف الأفكار وإنما أيضاً في توفير البيئة المناسبة لتطويرها. بعض الأفكار قد تكون في بدايتها بسيطة أو غير مكتملة لكنها تحمل نواة مشروع قابل للتنفيذ إذا وجدت التوجيه والدعم والخبرة اللازمة.
أكد منح الشباب فرصة للتجربة يمثل جزءاً أساسياً من عملية التمكين، حيث تتيح التجربة العملية للشاب التعلم من الأخطاء واكتساب مهارات اتخاذ القرار والتعامل مع المشكلات وتحمل المسؤولية عن النتائج.
الوعي لا يقل أهمية عن التأهيل
أشار أحمد يحيى إلى أن بناء وعي الشباب لا يقل أهمية عن تأهيلهم مهنياً، خاصة في ظل اتساع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وتدفق المعلومات بصورة غير مسبوقة.
وأوضح أن الشاب أصبح أمام كم هائل من المعلومات والأخبار والآراء على مدار الساعة، مما يجعل امتلاك أدوات التفكير النقدي والتحليل والتحقق من المعلومات ضرورة أساسية. الدولة تحتاج إلى جيل قادر على التفكير والفهم والتحليل وليس مجرد التفاعل السريع مع الأحداث.
أضاف أنه يجب مشاركة الشباب أنفسهم في معركة الوعي عبر منحهم المعرفة والأدوات التي تساعدهم على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة وتشجيعهم على الحوار واحترام الاختلاف والبحث عن مصادر موثوقة قبل تكوين المواقف.
التطوع بوابة لصناعة القيادات
وشدد الخبير الاستراتيجي على أن دعم العمل التطوعي والمشاركة المجتمعية يمثلان أحد أهم المسارات لترسيخ الانتماء. فعندما يشارك الشباب في حل مشكلة داخل محيطه أو يعملون على مبادرة لخدمة مجتمعهم، فإنهم يكتسبون خبرة حقيقية في القيادة والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية.
وأكد أن العمل التطوعي لا يقتصر فقط على تقديم خدمة للمجتمع بل يمثل مدرسة عملية يتعلم فيها الشباب كيفية التخطيط والتعاون وإدارة الوقت والتعامل مع التحديات وهي مهارات تشكل قاعدة مهمة لإعداد قيادات المستقبل.
دور الأحزاب والمجتمع المدني
أكد أحمد يحيى أن الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني مطالبة بأن تكون شريكاً في هذه الرؤية عبر اكتشاف الكفاءات الشابة وتوفير التدريب السياسي والمجتمعي وإعداد كوادر قادرة على تحمل المسؤولية في مختلف مواقع العمل العام.
وأوضح أنه يجب ألا يتوقف اكتشاف الكفاءات عند مرحلة التعرف على الشاب المتميز بل يجب اتباع ذلك بمسار واضح للتأهيل والتدريب ومنح الفرص حتى تتحول الطاقات الشبابية إلى كوادر قادرة على المشاركة الفعلية في الحياة العامة.
وأشار إلى أن اتساع دوائر المشاركة أمام الشباب سيساهم في ضخ دماء وأفكار جديدة داخل المؤسسات ويخلق جيلاً أكثر قدرة على فهم المشكلات واقتراح حلول عملية لها.
الجمهورية الجديدة تحتاج إلى عقلية مختلفة
Aضاف أن الجمهورية الجديدة تحتاج إلى عقلية شابة لا تنتظر الحلول الجاهزة بل تمتلك الجرأة والقدرة على اقتراح حلول جديدة وتنفيذها والاستعداد لتحمل نتائجها.
وأوضح أنه يجب النظر للاستثمار في الشباب باعتباره استثماراً مباشراً في قدرة الدولة على التطور والاستمرار خاصةً وأن العالم يتغير بوتيرة سريعة والدول التي تمتلك أجيالاً قادرة على الابتكار والتكيف ستكون أكثر قدرةً على مواجهة تحديات المستقبل.
واعتبر المنصة الوطنية إحدى الأدوات المهمة لاكتشاف هذه الطاقات بشرط تجاوز مرحلة استقبال المقترحات نحو بناء منظومة متكاملة لتقييم الأفكار واحتضانها ومتابعتها وقياس نتائجها.
الشباب شركاء في صناعة المستقبل
اختتم الدكتور أحمد يحيى تصريحاته بالتأكيد على أن الرسالة الأهم لهذه الخطوة هي أن الشباب أصبحوا شركاء حقيقيين في صناعة مستقبل الدولة قائلاً: ‘توجيهات الرئيس اليوم تقول للشباب بوضوح أفكاركم لها مكان وطموحاتكم لها مساحة ودوركم في بناء الوطن ليس مؤجلاً للغد.’.
Aضاف كلما اتسعت مساحة المشاركة أمام الشباب زادت قدرة المجتمع على اكتشاف أفكار جديدة وحلول مبتكرة مؤكداً أن منح الأجيال الجديدة فرصة حقيقية للمشاركة وتحمل المسؤولية يمثل أحد أهم الاستثمارات لمستقبل الدولة.

