في مثل هذا اليوم من عام 2019، وفي ذكرى إعلان الجمهورية التونسية، رحل عن عالمنا الرئيس الخامس لتونس، الباجي قائد السبسي، عن عمر ناهز 92 عامًا وهو في سدة الحكم. لم يكن رحيل السبسي مجرد غياب لرئيس دولة، بل كان إسدالًا للستار على حياة واحدة من أبرز الشخصيات السياسية في تاريخ تونس الحديث. عاش السبسي مخضرمًا بين دهاء العهد البورقيبي وخبرة الإدارة في عهد بن علي، ليعود في أواخر عمره كمهندس أساسي لتوازنات ما بعد ثورة 2011 وضابط إيقاع الانتقال الديمقراطي في أحرج لحظاته.
من هو محمد الباجي قائد السبسي؟
وُلد محمد الباجي قائد السبسي عام 1926 بمدينة سيدي بوسعيد، ونشأ في عائلة لها مكانتها. درس الحقوق في باريس وانضم إلى صفوف الحزب الحر الدستوري الجديد بزعامة الحبيب بورقيبة، ليعود إلى تونس محاميًا وسياسيًا طموحًا. تشكلت شخصيته الفكرية والسياسية على مبادئ المدرسة البورقيبية القائمة على الدولة الوطنية العصرية وهيبة المؤسسات والدبلوماسية الهادئة.
خلال مسيرته الطويلة في الدولة التونسية، شغل مناصب سيادية رفيعة، منها وزير الداخلية في ستينيات القرن الماضي ووزير الخارجية في الثمانينيات ورئيس مجلس النواب في عهد بن علي قبل أن يعتزل العمل السياسي لسنوات.
دور السبسي في تونس ما بعد ثورة 2011
بعد اندلاع ثورة 2011 وسقوط نظام بن علي، عاد الشيخ الباجي إلى الواجهة في لحظة فارقة حيث تولى رئاسة الحكومة الانتقالية في فبراير من نفس العام. نجح خلال تلك الفترة في عبور البلاد نحو أول انتخابات تأسيسية نزيهة. وفي عام 2012، أسس حركة نداء تونس لخلق توازن سياسي مع حركة النهضة ذات التوجه الإسلامي. أثمرت هذه الخطة عن فوزه بالانتخابات الرئاسية عام 2014 ليصبح أول رئيس لتونس ينتخب بطريقة مباشرة وديمقراطية.
شهدت فترة رئاسته (2014 – 2019) إدارة معقدة للتوافق السياسي مع حركة النهضة، كما واصل السبسي خطه البورقيبي في الدفاع عن حقوق المرأة عبر طرح مبادرات تشريعية أثارت جدلًا واسعًا مثل مسألة المساواة في الإرث. استمر السبسي في أداء مهامه رغم تقدمه في السن واعتلال صحته حتى لفظ أنفاسه الأخيرة في المستشفى العسكري بتونس صباح يوم عيد الجمهورية. وقد نظمت الدولة جنازة وطنية ودولية مهيبة تعكس تقدير العالم لدوره الهام في إدارة هذه المرحلة الحساسة من حياة البلاد.

