على مدار عام كامل بين 2012 و2013، روجت الدوائر الإعلامية المقربة من جماعة الإخوان المسلمين لوجود صراع أيديولوجي خفي داخل غرف صناعة القرار بمكتب الإرشاد. وقد تم تقسيم المشهد إلى جبهتين: صقور متشددة تقبض على التنظيم الحديدي، وجبهة حمائم إصلاحية تمتلك مرونة سياسية قادرة على فتح قنوات حوار مع القوى المدنية ومؤسسات الدولة.

لكن قراءة مواقف الجميع تكشف أن هذا التقسيم لم يكن سوى وهم تكتيكي وخدعة تم تسويقها لتوزيع الأدوار؛ فالخلاف لم يكن يومًا حول الغاية النهائية المتمثلة في السيطرة الشاملة، بل كان خلافًا على التوقيت والأسلوب، مما جعل الحمائم في كثير من المحطات أكثر سوءًا من الصقور.

لعبة الصقور والحمائم داخل الإخوان

في صدارة جبهة الصقور كان يتربع على عرش النفوذ المالي والتنظيمي خيرت الشاطر، نائب المرشد والرجل القوي، ومعه محمود عزت، ثعلب التنظيم الخاص وحارس الأسرار القطبي. هذه الجبهة كانت تؤمن بالهجوم الخاطف وفرض سياسة الأمر الواقع، مستندة إلى إرث السمع والطاعة والنظام الإيديولوجي الصارم. ولم تكن هذه المجموعة ترى في الدولة الوطنية سوى هيكل متهالك يجب تفكيكه وإعادة تركيبه وفقًا للمصالح التنظيمية، وهو ما ترجم عمليًا في قرارات المواجهة المباشرة مع القضاء والإعلام ومحاولات حصار المحكمة الدستورية العليا لفرض إعلانات دستورية مكبلة.

أما جبهة الحمائم فقد ضمت وجوهًا تم تصديرها كواجهة مدنية، أبرزها عصام العريان ومحمد البلتاجي. ولم تختلف هذه الجبهة في ولائها المطلق للمرشد أو إيمانها بالدولة المدنية الحديثة؛ بل كانت وظيفتها الأساسية هي امتصاص الصدمات السياسية وتبرير القفزات الانتحارية للصقور بعباءة قانونية وبرلمانية.

خطورة حمائم الإخوان

تشير وثائق تلك المرحلة إلى أن خطورة الحمائم كانت أعلى بكثير من الصقور، إذ كان لديهم القدرة على غسل أدمغة النخبة السياسية بوعود كاذبة حول الشراكة الوطنية. بينما كان الصقور يبتلعون مفاصل المحافظات والوزارات خلف الستار، ليصبح الجناح الناعم مجرد أداة تخدير سياسي تمهد الطريق للتغول التنظيمي.

ويؤكد خبراء أن غياب أي خلاف حقيقي بين الجناحين ظهر جليًا في لحظات الحسم؛ فعندما صدر الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012، سارع العريان للدفاع عنه عبر الفضائيات ووصفه بأنه حماية للثورة. وتبنى الرجل نفس المنطق القطبي الصارم لخيرت الشاطر. وهذا التباين له جذوره في أدبيات التنظيم مثل كتاب “رسالة التعاليم” لحسن البنا، حيث يذوب الفرد تمامًا داخل ركن الطاعة والثقة ولا يسمح بأي خروج حقيقي عن إرادة القيادة المركزية؛ مما يجعل فرضية وجود إصلاحيين داخل الجماعة مجرد مناورة تاريخية تكتيكية فرضتها ظروف العمل السري وتم تسويقها للخارج.

نفس الأمر تكرر مع اقتراب زحف الجماهير في الثلاثين من يونيو، حيث سقطت الأقنعة تمامًا وتبخرت لغة الحمائم الناعمة. وتحول محمد البلتاجي الوجه المدني للجماعة إلى منبر للتحريض المباشر فوق منصة رابعة، مطلقًا تهديدات علنية ضد مؤسسات الدولة ومتطابقًا بالكامل مع خطاب الصقور الأكثر تشددًا. وهذا ما يثبت أن العقل التنظيمي للإخوان مبني على الصدام؛ والفارق بين الصقور والحمائم داخل مكتب الإرشاد لم يكن سوى فارق في ملامح الوجه ولغة الخطاب، بينما تظل العقيدة الحركية واحدة لا تقبل التجزئة أو الشراكة الوطنية.