في ظل الحياة اليومية المتسارعة، تحولت العبادة، بقصد أو بدون قصد، إلى حركات تلقائية باردة. فالعبادة لم تُشرع لتكون طقوسًا شكلية ترضي ضمائرنا فقط، بل جُعلت لتكون أداة تغير بوصلة الإنسان وتُحدث في حياته انقلابًا حقيقيًا بمقدار 180 درجة.
تقدم “فيتو” سلسلة “180 درجة” لتكشف تأثير كل عبادة على الفرد وأثرها على المجتمع، لنعرف كيف نغير حياتنا عن طريق عباداتنا اليومية.
وفي السطور التالية، نستعرض أثر عبادة الذكر على حياة الإنسان وكيف تجعل المسلم منهجًا يغير حياته للأفضل.
ذكر الله غذاء الروح وطمأنينة القلوب
من جانبها، أوضحت وزارة الأوقاف المصرية أن الجسد شيء مادي، والروح من أمر الله تعالى، والقلب يتقلب مع كل منهما. ولكل منهما غذاؤه؛ فكما أن الطعام هو غذاء الأجساد، والحب غذاء القلوب، فالذكر هو غذاء الروح الذي تستمد منه الطمأنينة، وترتقي به الروح وتتصل بربها جل وعلا. ذكر الله تعالى في الإسلام عبادة شاملة تشمل التسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار وتلاوة القرآن والدعاء. وفي هذه الأيام المباركة – أيام التشريق – يستحب الإكثار من ذكر الله تعالى؛ حيث يقول سبحانه: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [البقرة: ٢٠٣]. وذكر الله تعالى هو استحضار عظمة الله بالقلب واللسان والعمل؛ قال سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: ٢٨]. ويعتبر ذكر الله من العبادات السهلة عظيمة الأجر؛ إذ لا يرتبط بزمان ولا مكان محددين بل يستطيع المسلم القيام به في أي وقت أراد؛ قال تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: ١٩١]. وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» [رواه مسلم].
أثر ذكر الله تعالى على الفرد
أكدت وزارة الأوقاف أن للذكر فوائد طبية عديدة؛ منها أنه يخفف ضغط الدم ويوسع الصدر والرئتين ويطيل النفس وينشط الدورة الدموية ويساعد على حيوية الجسم. فعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَل الَّذِي يذكر رَبَّهُ والَّذِي لا يذكر رَبَّهُ مَعْنَى الحَيِّ والمَيِّت» [رواه البخاري].
كما أشارت الوزارة إلى أن للذكر فوائد نفسية؛ منها أنه يخفف الضغط والقلق والإحباط، ويزيد من ضبط النفس ويعين على الصبر والتحمل وقوة الإرادة، ويحقق الطمأنينة والسلامة النفسية. فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قال: «دخَل رسول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم يومًا المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يُقال له أبو أمامة. فقال: “يا أُمامة! ما لي أراك جالسًا في المسجد في غير وقت الصلاة؟” قال: هموم لزمتني ودين يا رسول الله! فقال: “أفلا أعلمك كلامًا إذا قلته أذهب عنك عز وجل همّك وقضى عنك دينك؟” قال: قلت بلى يا رسول الله! قال: “قل إذا أصبحت وإذا أمسيت اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.” قال: ففعلت ذلك فأذهب الله همي وقضى عني ديني» [رواه أبو داود].
للذكر أيضًا فوائد اجتماعية على الفرد؛ حيث يؤدي إلى تحسين الألفاظ وتهذيب الأخلاق وتواضع النفوس ويساعد أيضًا على مواجهة ضغوط الحياة ومشاقها ويحسن سلوكيات الفرد السلبية مما يدفعه إلى الالتزام بالأخلاق الفاضلة.
أثر ذكر الله تعالى على المجتمع
وأضافت الوزارة أنه من منظور اجتماعي لا يقتصر الذكر على كونه ممارسة فردية بل يمتد ليؤثر على السلوك الجمعي ويعزز التضامن ويعيد تشكيل الوعي الديني داخل الأسرة والمجتمع.
يخلق الذكر لغة مشتركة بين أفراد المجتمع؛ إذ تتكرر العبارات الإيمانية في المساجد والبيوت مما يزيد الشعور بالانتماء إلى هوية دينية واحدة.
يسهم ذكر الله تعالى في نشر المحبة والتسامح بين الناس والحد من السلوكيات السلبية وتحقيق الأمن والاستقرار.
كما يسهم ذكر الله في بناء مجتمع متماسك قائم على القيم والأخلاق.
يساعد الذكر أيضًا في نشر السكينة داخل الأسرة وتقوية الروابط بين الجيران والأقارب مما ينعكس إيجابيًا على القيم الاجتماعية لدى المجتمعات.

